الأربعاء , 19 ديسمبر 2018
الرئيسية » تحليلات » ليبيا والتيه بين الثورة والدولة

ليبيا والتيه بين الثورة والدولة

جمعة القماطي

الثورة، الدولة، الديمقراطية، الدستور، المؤسسات، المواطنة، وغيرها هي مصطلحات ومفاهيم سياسية، غالبا ما يصعب على المواطن غير المتخصص أن يعي دلالاتها، ويفكك مضامينها، لا سيما في ليبيا التي عاش فيها المجتمع وأجياله الجديدة أربعة عقود من التغييب، والتوجيه الممنهج والتجريف للتربة السياسية، حتى أصبحت قاحلة جرداء.

يتساءل المواطن الليبي اليوم، وهو يواجه الانفلات الأمني ومصاعب الحياة عموما، على الرغم من ثروات بلاده الهائلة.. ماذا حققت الثورة الليبية بعد سبع سنوات من اندلاعها؟ أين هي الديمقراطية الموعودة؟ أين الخدمات الجيدة؟ أين البنايات الشاهقة والأبراج؟ أين المطارات المتقدمة والسفر اليسير؟ أين الرواتب العالية والرخاء والازدهار؟

تساؤلات مشروعة، لا سيما في ظل فشل النخب السياسية التي تولت إدارة البلاد منذ سقوط نظام معمر القذافي، وتخبّطها في إدارة المرحلة الانتقالية. غير أن الخلط العفوي هنا هو الاعتقاد بأن الثورة هي المعنية بتحقيق كل هذه التساؤلات، وفي سنوات قليلة، بينما الثورات عادة هي حدث طارئ وغير متوقع أو مخطط له، فهي أشبه بالزلزال أو الإعصار الذي يأتي فجأة أو بعد إرهاصات قصيرة جدا، فيقتلع ويُسقط ما أمامه من بُنى هشة متهالكة، تماما مثل الأنظمة الفردية القمعية الفاسدة التي أسقطتها ثورات الربيع العربي، ومنها نظام القذافي في ليبيا.

أما تحقيق أهداف الثورة ومآلاتها، والشعارات التي قامت بها، وفي مقدمتها الحرية والعدالة الاجتماعية والتنمية والتقدم، فلا يكون إلا من خلال بناء دولة، على أن تكون الدولة الحقيقية، الحديثة، المدنية، الديمقراطية التي يؤمن بها، ويلتزم بشروطها، ويعمل وفق قوانينها، الجميع.

والدولة الحقيقية هي ما يقوم بنيانها على أعمدة راسخة من المؤسسات التي يتمحور حولها المجتمع، لا أن يتمحور حول أفراد. والمؤسسات هي المعنية بممارسة السلطات وفق القانون، وما يحدده الدستور، وليس وفق هوى الأشخاص. والمبدأ الأساسي أن الأفراد ‏الذين يمارسون سلطة المؤسسة باسمها، وفق القانون ونظم المؤسسة ومنهجيتها في العمل، متغيرون وزائلون، لكن المؤسسات ثابتة باقية، ولا يجب أن تتأثر بتغير الأشخاص. هذا أحد الفروق الأساسية التي نجحت فيها وبها دول في الشرق والغرب، تمحورت حول مؤسسات، وفشل فيها العرب إلى الآن، لأنهم ما زالوا يتمحورون حول أفراد، مثل شيخ النجع والقبيلة والحاكم المطلق والزعيم المنقذ والمفكر الأوحد.

والدولة المدنية هي التي تتعامل مع الشعب والمجتمع أفرادا متساوين، لهم جميعا الحقوق نفسها، وعليهم الواجبات نفسها، تحت سيادة القانون. إنها دولة المواطن والمواطنين السواسية، وليست الدولة التي يتمايز فيها بعضهم عن بقية المجتمع، ويأخذون سلطات وحقوقا ومزايا أكبر، على أساس قبلي أو جهوي أو عرقي أو ديني.

والدولة الحديثة هي التي تحمي سيادة الوطن ووحدة أراضيه، ووحدها التي تحتكر استخدام القوة وحيازة السلاح، وفق ما يحدده القانون، على أن تكون هذه القوة والسلاح فقط لحماية حياة المواطنين وممتلكاتهم الخاصة، وحماية الأملاك العامة ومؤسسات الدولة وثروات المجتمع. وتمارس الدولة القوة لتأمين السلم الاجتماعي ومنع العنف، ومواجهة الجماعات الإرهابية وجماعات الجريمة المنظمة والتهريب، وكل ما يشكل خطرا على أمن المواطن والمجتمع ككل. ولا يمكن للدولة أن تستخدم القوة والسلاح لقمع المواطنين، ومنعهم من ممارسة حرياتهم الأساسية في التفكير والتعبير السلمي والمشاركة السياسية، والاحتجاجات والمظاهرات السلمية، والتي من واجب الدولة حمايتها وتأمينها، لا قمعها ومنعها. كما يجب أن تتبنى الدولة ضمان الأمن الإنساني الشامل، وليس فقط أمن النظام الحاكم.

وأثبتت تجارب العالم، خصوصا في القرن الأخير، أن الدولة التي يمكن أن تحقق مستويات عالية من التقدم والرفاهية والحياة الكريمة لمواطنيها هي المبنية على الديمقراطية الحقيقية. والديمقراطية ليست بالضرورة أفضل ما توصل إليه العقل البشري في إدارة شؤونه، لكن المؤكد أنها الأقل سوءا. فالنظام الديمقراطي مبني أساسا على مشاركة الجميع في المجتمع، من خلال حرية التفكير والرأي والنقد والمحاسبة الشفافة. والنظام السياسي الديمقراطي يكون مبنيا على الاحتكام إلى الدستور، باعتباره عقدا اجتماعيا بين أفراد المجتمع، ينظم علاقاتهم وآليات إدارة الدولة، ويضمن حقوقهم السياسية والاقتصادية والثقافية، ويضمن التعددية السياسية، والفصل بين السلطات، والتداول السلمي على السلطة، من خلال صناديق الاقتراع النزيهة الشفافة، والحكامة الجيدة في إدارة الدولة ومواردها.

وأوضح مثال لتباين مجتمعات تعيش بنظام ديمقراطي حقيقي، وأخرى تعيش تحت نظام فردي شمولي قمعي، هو دولتا كوريا الجنوبية والشمالية، فهما في الأساس شعب وعرق واحد، ولكن وصلت كوريا الجنوبية إلى درجات عالية من التقدم والتطور والتنمية، بينما يعيش شعب كوريا الشمالية حالةً من التخلف والعزلة والرعب الدائم، وعبادة الحاكم الأوحد، والتغييب عن بقية العالم، وكأنهم يعيشون في كوكب آخر، والفارق بينهما هو وجود دولة المؤسسات والديمقراطية في الجنوب، بينما دولة الحاكم الأوحد الدكتاتور المستبد في الشمال.

ويعيش المواطن الليبي اليوم ويلات فوضى السلاح ودوامة الخلخلة الأمنية والمعاناة الاقتصادية الطاحنة، وغياب الدولة وهيبتها.. وهو يرى كذلك ثرواته تنهبها عصابات الفساد والاحتيال الممنهج. ولا يجد، وسط هذا التيه، من أولوياته واهتماماته، الحديث عن الدولة والمؤسسات والديمقراطية والتنمية المستدامة، ويرى الحديث فيها ضربا من الترف الفكري المنفصم عن الواقع. غير أن نقطة البداية في إنهاء هذا التيه والفوضى التي تعيشها ليبيا بعد الثورة لا بد أن تكون ببلورة المفاهيم، ووضوح الرؤية الاستراتيجية لما نريد أن تكون عليه ليبيا في المستقبل.. ماذا ستكون هويتها، نظامها السياسي، خياراتها الاقتصادية، علاقاتها الدولية، وعلاقاتها بمحيطيها، القريب والمتوسط؟ خصوصا أن نظام القذافي مسح كل معالم المأسسة والمؤسسات التي بُنيت في العهد الملكي بعد الاستقلال (1951-1969)، وأصبح الليبيون اليوم أمام تحدي بداية جديدة لبناء دولتهم المنشودة من الأساس.

أنتجت الثورة الليبية استقطابات حادة وانقساما وصراعا سياسيا وشرخا اجتماعيا عميقا. وبالتالي، لن ينتقل الليبيون من هذه الحالة إلى الاستقرار وانطلاق بناء الدولة إلا باستيعاب

الجميع، وتحقيق العدالة الانتقالية والتسامح والمصالحة الوطنية. يتطلب التحول إلى الديمقراطية بناء مؤسسات حقيقية، ونشر ثقافة الحوار وترسيخها بديلا عن العنف، والقبول بالآخر بديلا عن الإقصاء، واحترام نتائج اختيارات الشعب الحرة لمن يقوده فتراتٍ محددة، يضبطها دستور وعقد اجتماعي.

ويتطلب التحول إلى الدولة الديمقراطية الحقيقية مواجهة معوقات أخرى بنيوية ثقافية، منها تجذّر ثقافة الولاء والتعصب القبلي، والثقافة الناتجة عن نمط الاقتصاد الريعي التي تُكرّس الاتكالية على الدولة مصدرا للعيش، ولا تخلق اقتصادا إنتاجيا قويا يحصّن الخيار الديمقراطي، وكذلك ثقافة نهب المال العام والفساد المستشري.

ومن المعوقات ترويج مفاهيم دينية وانتشارها، وافدة من أقطار عربية خليجية، ترفض الديمقراطية وتحاربها، بحجة أنها تتعارض مع الإسلام! وهذا مفهوم مبتور ومغلوط للإسلام دينا، ورسالة تؤكد على حرية الإنسان ضد استعباده، وعلى حقه في اختيار حكامه ومحاسبتهم، بل وتغييرهم وعزلهم إذا ظلموا، كما لا يمكن تجاهل معوقات أخرى خارجية، أهمها تدخلات إقليمية عربية، تغذي الصراع في ليبيا، لأنها تخشى بروز نموذج ديمقراطي وتنموي ليبي، أو عربي، ناجح، يسحب البساط من تحت نماذج تنميتهم الهشة، وينقل عدوى ديمقراطية حقيقية ناجحة إلى بلدانهم.

العربي الجديد

شاهد أيضاً

ما الذي وقع بين “العدالة والبناء” وجماعة الإخوان الليبية؟

السنوسي بسيكري/ كاتب ليبي   إن من أكبر التحديات التي تواجه التنظيمات الإسلامية التي تتبنى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.