الثلاثاء , 23 أكتوبر 2018
الرئيسية » تحليلات » قراءة في معايرة مركز دراسات القانون والمجتمع لمشروع الدستور

قراءة في معايرة مركز دراسات القانون والمجتمع لمشروع الدستور

د. الهادي بوحمرة/ عضو الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور

قام فريق من مركز دراسات القانون والمجتمع- جامعة بنغازي بإعداد معايرة لمشروع الدستور، والتي كانت نتيجتهاحصول المشروع في نهايتها على 78 نقطة من100.  وقد ورد في الدراسة أنها اعتمدت على معايير محددة تمثلت في المشترك الانساني والصياغة والظرف الانتقالي والخصوصية الليبية.  وبغض النظر عن مناسبة هذه المعايير لدراسة مشروع دستور أعد من هيئة منتخبة بالانتخاب العام الحر السري المباشر، وبعيدا عن  الجدل في تراتبية المعايير،  وتغيرها من باب إلي أخر، تظلالدراسة وجه نظر من مركز بحث علمي في ليبيا أولى مشروع الدستور اهتماما لم توليه له غيره من الجامعات والمراكز البحثية في ليبيا، الأمر الذي  يسمح بطرحهللنقاش بشكل محدد، بعيداعن الكلام المرسل، وعن مواجهة ما ورد فيه انطلاقا من انطباعات غير منضبطة.  وبالاطلاع على هذه الدراسة يمكن ملاحظة الآتي:

1/ بدأت الدراسة بتوطئة حاولت  فيها اختصار مواقف المعارضين للمشروع، إلا أنه كان وصفا انتقائيا، حيث ورد في بدايتها أن هناك من يعارض المشروع، لأنه يخشى من تأسيسه لدولة دينية، دون أن تورد المقصود ب(الدولة الدينية)، ودون أن  تذكر الاتجاه المعارض المضاد له الذي يقول أن المشروع لا يعطى للشريعة موضعها المناسب في المشروع، وأن المشرع  قائم على بناء السياسات التشريعية والتنفيذية كافة على حقوق الانسان كما تنص المادة الاخيرة من باب الحقوق والحريات، وتخلص إلي أن المشروع يؤسس لدولة (علمانية)، وهو ما عبرت عنه بوضوح مؤسسات رسمية  منها دار الافتاء بمدينة البيضاء. كما ورد في  التوطئة رأي بعض المعارضين للمشروع الذين يقولون أن المشروع فيه افتئات على حقوق مكونات بعينها، وتجاهلت الرأي المعارض الذي يقول أن هذا المشروع لا يستجيب لرأي الغالبية العربية التي ترى ضرورة إضافة وصف العربية لاسم  الدولة، ولزوم حصر الدسترة على اللغة العربية. ومن شأن ايراد أقوال كل اطراف المعارضة أن يضع المشروع في وضعه الحقيقي، باعتباره حلا وسطيا بين كافة الاتجاهات في ليبيا.

من ناحية أخرى، أشارت التوطئة إلي أن المشروع وافقت عليه الهيئة بأكثر من ثلثي الاعضاء، دون أن تعطي المعلومات الدقيقة  بهذا الشأن.  ومن شأن القول بأن الهيئة صوتت على المشروع ب43 صوتا من عدد 44 من الحاضرين، ومن عدد 57 مجموع الاعضاء الفعلين أن يعطي قراءة مختلفة لأهمية المشروع، وتسمح بمقارنة دقيقة مع المسارات الدستورية في الدول الأخرى. وقد ربطت التوطئة اقرار مشروع الدستور بمضي مدة  ثلاث سنوات من عمل الهيئة، دون أن تقارن مدة عمل الهيئة بمدة عمل الهيئات الدستورية المنتخبة، ومنها مدة عمل المجلس التأسيسي التونسي الذي عمل في ظل مؤسسات قائمة وظروف لم تدخل فيها البلاد في حروب اهلية،  ورغم ذلك بدأ المجلس عمله في نهاية 2011، وانتهي في سنة 2014م.

2/ اعتمدت الدراسة معايير محددةلمعايرة  مشروع الدستور،  وقامت على أساس إعمال هذه المعايير،  وانزلها من الفريق على مواد وأبواب المشروع.  وبالاطلاع على ملاحق الدراسة، نجد أن أوراق العمل، التي اعدها أعضاء فريق الدراسة كل على حده، هي التي انزلت بالكامل على المشروع، وتم النظر في نصوصهانطلاقا منها. ما يعنى- حسب وجه نظرنا- أن التقييم الفردي تم تبنيه بشكل جماعي، وهو ما يؤدي للقول بأن نتيجة المعايرة هيعبارة عن جمع لتقييمات فردية تختص كل منها بجزء من أجزاء المشروع.  فوجهة نظر الدكتور زاهي المغيربي بشأن نظام الحكم والحكم المحلي  الواردة في ورقته الملحقة بالدراسة  هي التي اعتمدت لتقييم بابي نظام الحكم والحكم المحلي،  ووجهة نظر الدكتورة جازية اشعيتير في حقوق المرأة في الدستور هي التي اعتمدت  بشان تقييم النصوص المتعلقة بهذه المسألة،  ووجهة نظر الدكتور نجيب الحصادي بشان مفهوم الشريعة ونص المادة السادسة هي التي تم اسقاطها بالكامل على المشروع.ونظرة الدكتور سليمان السحاتي بشأن مسار الهيئة هو التي اُعتمد عليه في تكوين فكرة عامة عن مراحل عملها تواصلها مع فئات المجتمع الليبي،وهونفسالأمرالذياتبعبشأنورقةالدكتورةهالةالأطرش.  وما يؤكد ذلك، اختلاف تعليل تقييم نص من باب إلي آخر. فعند النظر في المادة 84 من المشروع التي تنص على القسم وضعت درجة 10/10، أما عند تقييم قسم اعضاء المحكمة الدستورية وضعت درجة 7/10. والتسبيب الذي ورد في إنزال الدرجة هو أن القسم فيه  تراتبية الله ثم الوطن، ما يعنى أن فيه تغليب ما يعتقد العضو أنه إخلاص لله على اخلاصه للوطن. وهو نفس السبب الذي يوجب إنزال درجة تقييم النص الأول إذا كان التقييم قد تم من فريق واحد، وباستعمال نفس المعايير.

وما يلاحظ في اطار وضع معايير لتقيم مشروع كمشروع الدستور هو السؤال الآتي: هل المشروع يعد حلا وسطيا بين مختلف الاتجاهات السياسية والمناطقية والثقافية في ليبيا أم لا؟. وهو معيار لم يعط حقه في تقييم نصوص الدستور رغم اننا نعتقد انه المعيار المناسب لمعايرة مشروع ينتظر الاستفتاء عليه لكي يتحول لدستور دائم.

3/  إن نصوص المشروع هي من وضع هيئة منتخبة  من مختلف مناطق ليبيا، ومن مختلفالتوجهات السياسية، وتعبر عن ممثلين للدوائر الانتخابية، وقد تم اعتماده بعدد 43 عضوا من مجموع 57 عضوا فعليا، وهم اعضاء موزعون على كافة المناطق والدوائر الانتخابية. فالأغلبية هي أغلبية على مستوى الهيئة، وأغلبية على مستوى كل منطقة انتخابية على حده.  ومن ثم، لا يعبر عن وجهة نظر عضو أو اعضاء محدودين،  وذلك على خلاف الدراسة التي اعدت من فريق مكون من خمسة اساتذة أفاضل من نفس الجامعة، ومن نفس المدينة. ويتضح من خلال تقييمهم لنصوص مفصلية، أنهم من اتجاهات فكرية متقاربة. على خلاف أعضاء الهيئة المنتخبين الذين هم من اتجاهات مختلفة، واختلافهم الفكري هو بقدر الاختلاق الفكري القائم في المجتمع الليبي. ومع ذلك، كانت نتيجة المعايرة 78/ 100،  ما يعنى أن التوافق بين ما يزيد على ثلثي اعضاء الهيئة كان  في اطار احترام التفكير الاكاديمي والتجارب الانسانية بقدر كبير. مع ملاحظة أن الدراسة في مقدمتها لم تشر إلي ذلك بشكل  واضح، رغم أنه ركيزة أساسية كان يجب أن تحكم التقييم للنصوص كافة وللمسائل الخلافية بشكل خاص. فهي لم تشر إلي عدد الأعضاء المصوتين على المشروع، ولا عدد الأعضاء الحاضرين، ولا عدد الأعضاء الفعليين، فاعتماد مشروع بعدد 43 من عدد44 من الحاضرين، ومن عدد 57 من الاعضاء الفعليين، يختلف عن التصويت على أغلب الدساتير في العالم مع أن الهيئة التأسيسية خضعت لشرائط من الناذر أن تخضع لها هيئة تأسيسية.

4/ إن الدراسة، التي يفترض أن تكون أكاديمية بقدر كبير، تجاهلت منطلقات كان ينبغي أن تعتمد عليها، ومن  أهمها المقارنة بدساتير الدول الأخرى. فعند النظر في نص عاصمة البلاد،رأت الدراسة أنه كان على الهيئة أن تعتمد عاصمتين للبلاد، رغم أن جل الدساتير تعتمد عاصمة واحدة.  وقد قيمت المادة على هذا الأساس، رغم أن الدراسة في بدايتها قامت بتثبيت أسس تقييم الباب  الاول،  بقولها أن الغلبة ستكون للمشترك الانساني على الاستحقاقات الانتقالية. كما أنها تجاهلت نهج كثير من الدساتير المقارنة بشان إحالة العلم والنشيد للقانون، وانطلقت من أنه لا خلاف اساسي بشأنهما، رغم أن الخلاف بشان تثبيت علم ونشيد الاستقلال كان واضحا في الهيئة، وواضحا  من خلال مذكرات قدمت للهيئة من وفود حضرت للهيئة من مدن ومناطق ليبية،ومن اتصالات للهيئة مع ليبيين في الداخل والخارج موثقة في أعمال الهيئة، ما كان للدراسة أن تتجاهلها.

موقف الدراسة من تقييم نصي العاصمة والعلم والنشيد يؤكد التقييم المنفصل وغير المترابط لنصوص المشروع،  فتقييم نص العاصمة لا يأخذ في الاعتبار أن المشروع نص على أن بنغازي مقر للسلطة التشريعية بغرفتيها (م 90) ، ما يعنى أن المشروع اعتمد لحل مسألة العاصمة على وجود عاصمة (تشريعية) هي مدينة بنغازي، مع نصه على كون مقر المحكمة الدستورية مدينة سبها (م135). كما أن النص المتعلق بالنظر في المادة الخامسة التي تنص على العلم والنشيد تجاهل النظر إليهمع نص المادة 197 التي تنص على أنه: ( مع مراعاة المادة الخامسة، يستمر العمل بالعلم والنشيد النافذين….).

5/ انطلقت الدراسة من مسلمات ليست بمسلمات، وكان من المناسب فحصها في الأنظمة المقارنة بشكل أكثر عمقا. فربطت المعايرة بين سبب وجود مجلس الشيوخ، والمساواة في التمثيل في تكوينه بين المناطق الانتخابية الثلاث. وقالت حرفيا في اطار تعليقها على نص المادة75: ( يجب أن يكون التمثيل فيه مناطقيا ومتساويا). فما هو أساس هذا الوجوب؟. وهذا وأن كان التساوي خيارا مناسبا، لكنه ليس الخيار الوحيد، الذي يفضى للقول بعدم صحة الخيار المعتمد في المشروع، حيث أن هناك عدة تجارب مقارنة لا تعتمد التساوي بين المناطق الجغرافية أو التاريخية أو الولايات في مجلس الشيوخ منها الدستور الاسترالي. كما أن الدراسة لم تقم بأي مقاربة بين التشكيل ونصاب اتخاذ القرار في مجلس الشيوخ، والذي يحدث موازنة بين المناطق الانتخابية الثلاث. وهو ما يفضى لفاعلية تتقابل مع المساواة في التمثيل.وهي- أيضا- لم تقرأ النص المتعلق بتكوين مجلس الشيوخ قراءة تكاملية مع النص الذي يتعلق بتأليف مجلس النواب، والذي اعتمد معيار السكان مع مراعاة المعيار الجغرافي. ولا يمكن أن تنتج القراءة المنفصلة لنصوص دستور متكامل نتائج صحيحة. وما يمكننا ملاحظته انه بشأن القضايا الخلافية، كان فريق الدراسة في اتجاه رأي المعارضين للمشروع، وتبنى إلي حد بعيد دفوع المعارضين، رغم كونهم أقلية، دون اعطاء كثير اهتمام للأغلبية الموصوفة التي اعتمدته. فالإقرار بأن هناك مسائل خلافية، وأنه لا يمكن التعامل معها بمنطق رياضي، أو وفق تصورات جاهزة، أو أراء فردية، وأن المشروع ينتظر الاستفتاء عليه، يوجب أن يكون الحصول على الأغلبية التي تزيد على الثلثين والممثلة لكل المناطق والدوائر الانتخابية محل اعتبار.

6/ اعتمدت الدراسة على انتقاد المادة الثانية من المشروع، لأنها نصت على أن اللغة العربية لغة الدولة دون احداث أي مقاربة عميقة بينها وبين تعبير اللغة الرسمية. ودون أن  تحدد الدراسة الدلالات الحقيقية لمثل هذا التعبير. كما أنها،وخلافا لما ورد في التوطئة تأتي الدراسة في التعليق على هذه المادة، وتقول أنها تؤكد تخوف ذوي التوجهات العربية التي وصفتها بالسائدة. ومن الغريب أن أهمية ما ورد في هذه المادة لاستقرار ليبيا والوئام المجتمعي فيها لم يمنع الدراسة من  تسبيب معايرة المادة بقولها أنها تضع التزامات مادية وثقافية يصعب الايفاء بها.

7/اعتمدت الدراسة في انتقادها لنص المادة السادسة التي تنص على أن الاسلام دين الدولة، والشريعة الاسلامية مصدر التشريع، على أن هذا النص يهدد بدولة دينية، وهو الرأي الذي ورد في ورقة الدكتور نجيب الحصادي. ومن المعلوم أن المشروع يقوم بشكل واضح لا لبس فيه على الدولة المدنية. فلا وجود بالمطلق لأي شبة من شبهات الدولة الدينية، فالتشريع تضعه السلطة التشريعية المنتخبة بالانتخاب العام الحر السري المباشر، والقول بدستورية القانون، أو عدم دستورية للمحكمة الدستورية، وهي دولة تقوم على التداول السلمي على السلطة. والقول بأنه يهدد بدولة دينية ينصرف إلي مفهوم الدولة الثيوقراطية بمعنى دولة رجال الدين إذا كان للمصطلحات معنى. أما بالنسبة للنص على أن الشريعة الاسلامية مصدر التشريع، أو مصدر للتشريع، أو مصدر رئيسي للتشريع، فإنه في جميع الاحوال لا يمكن أن يذهب إلي أبعد من التزام المشرع بثوابت الشريعة الاسلامية والقطعي منها، حيث لا أحد يقول بإلزامية الاجتهادات الفقهية. فالشريعة الاسلامية منها الثابت، ومنها المتغير، ولا إلزام إلا بالثابت، فليس للمحكمة الدستورية أن تحكم بعدم دستورية نص لمخلفته لرأي فقهي. كما أن الشريعة الاسلامية بمصادر الحكم المختلفة تستوعب كافة التجارب المقارنة والاجتهادات الانسانية، ما لم تخالف أصلا من أصولها. وهو ما يحول الخلاف حول النص على مصدرية الشريعة الاسلامية إلي خلاف لفظي. فهل يمكن توقع أن المحكمة الدستورية تحكم بعدم دستورية نص قانوني لمخالفته لاجتهاد مالك أو الشافعي أو غيرهما؟. ومن الغريب أن الدراسة تطالب بوضع تعريفات، رغم أنه من المعروف أن التعريفات من مهمة الفقه، لا من مهمة واضعي النصوص الدستورية أو القانونية. مع ملاحظة أن النص يمثل خطابا للسلطة التشريعية،التي تلتزم بالضوابط الدستورية كافة عند ممارستها لاختصاصاتها.

8/  انتقدت الدراسة مشروع الدستور لعدم تضمنه لمسائل من المتعارف عليه أن تتضمنها القوانين،ولا ترد في الدساتير. ومن ثم، فإن الدراسة انجزت دون تحديد معيار تعتمد عليه للتمييز بين النص الدستوري والنص القانوني. وما رأت الدراسة أنه يجب أن ينص عليه مشروع الدستور هي مسائل لا ترد حتى في الدساتير الموصوفة بكونها تفصيلية. ومن تلك المسائل القول في الدراسة أنه كان على المشروع أن يتضمن تجريم التهريب الضريبي، وانتقاد المشروع لأنه لم يحدد اختصاصات المحافظ. رغم أن هذه المسائل هي شأن قانوني بامتياز  لا دستوري. ومن ذلك-أيضا- مطالبتها بأن ينص الدستور على حظر منح اللجوء السياسي للإرهابيين والمتهمين بجرائم دولية، رغم أن المادة 14 تنص على تنظم أوضاع وشروط اللجوء السياسي بقانون)، ويمكن وفقا لهذا النص أن يتولى المشرع هذه المسألة، وفقا لاعتبارات المصلحة العامة والسياسة التشريعية التي يتبعها.

9/فيتقييمهالبابالسلطةالقضائية،ذهبتالدراسةإليالاستنادعلىانتقادالمادة 128 بقولهاأنه: يجبالنصعلىإلزاميةمبادئالمحكمةالعلياللمحاكمالأدنى،وهوأمرمحلخلافلايجهلهأيقانوني. ولايمكنبناءتقييممشروعالدستورعلىخيار،وتركآخر.  وربماعندالدخولفيمناقشةكليهما،ومدىمناسبةالأمرللمبادئالتييقومعليهاالدستور،لتبينتسلبياتمثلهذاالتسبيبلتقيمالمشروع. وفيإطارالسلطةالقضائية،تقولالدراسةأنالنيابةالعامةتتبعوزيرالعدل،وهوموقفتمانزالتقييمالمادة 119 بناءعليه،رغمأنهحتىفيالدولالتيتفصلبينسلطتيالاتهاموالتحقيقتعتبرالنيابةالعامةمنالسلطةالقضائية. مايعنىأناعتبارهامنالسلطةالقضائيةفيدولةتجتمعفيهاسلطتيالاتهاموالتحقيقفييدالنيابةالعامةأولي. باختصار،أنهذاالرأيليسبالرأيالراجحولابالسائدولابالمشهور،ومعذلكتعتمدهالدراسةللانقاصمنالدرجةالممنوحةللنصوصالواردفيها.

10/ اعتمدت الدراسة في نقدها لمشروع الدستور بشأن تشكيل المحكمة الدستورية على سبيل المثال، وعدم نصها على التجديد لأعضائها على القول بندرة الخبرة في ليبيا، وهذا محل نظر كبير فليبيا سنة2017، وما بعدها، ليست ليبيا 1951م. خاصة فيما يتعلق بالخبرات في المجال القانوني.الأمر الذي كان يستوجب استبعادها كسبب للانقاص من تقييم المشروع.

11/ تجاهلت الدراسة في بابي الحكم المحلي والنظام المالي مسألة أساسية قائم عليها المشروع، ووقعت في نفس تجاوز حقيقة البناء في مشروع الدستور الذي وقع فيه الاستاذ الدكتور ابراهيم بوخزام،  وهو أن مشروع الدستور قائم على التمييز بين القوانين العادية والقوانين الأساسية. فمن المعروف إن من أهم وسائل تجنب ذكر أحكام تفصيلية في الدستور هو الإحالة للقوانين الاساسية،  وهذا ما اعتمده بشكل واضح مشروع الدستور، وإن كان لم يصفها بهذا الوصف، لأن الوصف هو شأن فقهي. فقوانين النظام المالي والحكم المحلي هما قانونان يسنهما مجلس النواب، ويقرهما مجلس الشيوخ.ومن تم،  فهي تختلف عن القوانين العادية التي يقرها مجلس النواب فقط، ودور مجلس الشيوخ بشأنها دور استشاري فقط، واجراءاتها تختلف عن اجراءات غيرها من التشريعات. ومن هنا كان المنهج يتمثل في ترك القواعد التي تحكم النظام المالي لقانون النظام المالي، والذي هو قانون اساسي، يختلف من حيث مرتبته القانونية عن نظام الميزانية. كما اكتفى المشروع بدسترة ركائز اللامركزية، وترك تفاصيلها لقانون الحكم المحلي، الذي هو قانون اساسي، يجب أن يسن من  مجلس النواب، ويقر من مجلس الشيوخ، مع وجوب أن يكون من ضمن الأغلبية التي تقره ثمانية كحد أدنى من كل منطقة انتخابية . ولو انطلقت الدراسة من هذه المقدمة لربما اختلفت تقييمها لبابي النظام المالي والحكم المحلي بشكل جدري. كما أن ما تطالب به الدراسة، وتنتقد بناء البابين عليه، لا علاقة له بالمنهج الذي اتبعته الدساتير المقارنة التي اعتمدت نظام اللامركزية المدسترة. ويمكن مقارنة مشروع الدستور الليبي بما ورد في الدستورين المغربي والتونسي، حيث أن ما ورد بهما يتجاوز ما قررته الدساتير التقليدية، ومنها الدستور الفرنسي 1958 وتعديلاته.

12/ اعتمدت الدراسة في انتقاد استعمال مصطلحات على فهم غير صحيح للاطار الذي وردت فيه. فمصطلح (فحص المؤسسات)، الذي ورد في إطار نص العدالة الانتقالية  يعكس تعبيرا أدق من مصطلح الاصلاح المؤسسي، الذي انتهت إليه الدراسة.  ذلك أن هيئة العدالة والمصالحة التي تطبق برنامج العدالة الانتقالية لا تقوم بإنفاذ الاصلاح، الذي هو شأن تشريعي تنفيذي، وإنما تقوم بفحص المؤسسات، الذي هو مقدمة  للإصلاح. فالإصلاح يستوجب اصدار تشريعات أو تعديلها، ويستوجب اجراءات تقوم بها السلطة التنفيذية.  ومهمة هيئة العدالة والمصالحة هي فحص هذه المؤسسات، وبيان الخلل في بُناها التشريعية، والتوصية بما يلزم لإصلاحها. وفي إطار التعليق على نص العدالة الانتقالية، انتقدت الدراسة استعمال مصطلح المساءلة والمحاسبة، وقالت بضرورة استعمال مصطلح الملاحقة القضائية، وهو أمر يعكس عدم الفهم الدقيق لآليات العدالة الانتقالية،  حيث أن المساءلة والمحاسبة تتجاوز الملاحقة القضائية، وأن للعدالة الانتقالية آليات قضائية وآليات غير قضائية، مما يجعل من مصطلح المساءلة والمحاسبة أكثر ملاءمة لمفهوم العدالة الانتقالية.

وفي مجال حقوق الانسان، طالبتالدراسةبالنصعلىحقوقالطفلكافة،المنصوصعليهافيالاتفاقياتالدولية،متجاهلةالنصالذييعطىللاتفاقياتالتيتصادقعليهاليبيامرتبةأعلىمنالقانونوأدنىمنالدستور،ومتجاهلةالنصفيالمادة 59  المتعلقةبحقوقالطفلعلىالآتي: ( وتبنىتشريعاتهاوسياساتهاعلىالمصلحةالمثليللطفل.). ومصطلح ( المصلحةالمثلي) يتضمنقيمةمضافةلمشروعالدستورالليبيمقارنةبغيرهمستمدةمناتفاقيةحقوقالطفل،وهوكافلإلزامالمشروعبحقوقالطفولةكافة.

وفي إطار ضبط المصطلحات والانطلاق من معانيها الدقيقة، نجد أن الدراسة انتقدت المشروع باعتباره لم ينص على حق الاضراب في المادة 56، رغم أن المادة نصت بوضوح على ضمان الحقوق النقابية.

كماوصفتالدراسةبعضالمصطلحاتالواردةفيالمشروعبكونهاغامضة،رغمأنهاانطلقتفيالمقدمةمنضرورةالمصطلحاتالمرنة.لكنهاعندتقييمالنصوص،خلطتبينالغموضوالمرونة. فمصطلحالجرائمالجسيمةهومصطلحمرن.  والنصعليهلايختلفعنالنصعلىالجرائمالخطيرةمثلافيالعهدالدوليللحقوقالمدنيةوالسياسية 1966م. بلأنالجرائمالجسيمةأكثروضوحامنمصطلحالجرائمالخطيرة؛وفقالمعيارالتمييزبينالجرائم المتمثل في نوعومقدارالعقوبةالمقررةللجريمة. فهذاالمصطلح وغيره من المصطلحات المرنة غير المحددة والقابلة للتحديدتسمحللمشرعبأخذمتغيراتفيالاعتبارلإنفاذالنصالدستوري.

ومنالتعبيراتالتيانتقدهاالدراسةمصطلحالوظائفالسياديةالذيوردبمناسبةحظرمزدوجيالجنسيةتوليها. رغمأنهلايمكنحصرهذهالوظائففينصدستوري.  وايرادهاتحتهذاالتعبيرمنشأنهأنيسمحللمشرعبتعديلنطاقهاوفقتطورالواقعالسياسيوالاجتماعي،ويمنحمرونةللمشرعيحتاجهالتطويرالتشريعاتوفقاللسياسةالتشريعيةالتييرسمها، تحت رقابة المحكمة الدستورية. ومنثم،فإنالمرونةهيايجابيةأكثرمنكونهاسلبيةتستوجبانزالتقييمالمشروعانطلاقامنها.

ومنذلك- ايضا- أنهاوصفتاستعمالالمشروعفيالمادة 38 الحبسالاحتياطيبعدمالوضوح،وطالبتبالنصعلىحظرالعقوبةالسالبةللحريةفيالجرائمالتيترتكببطريقةالنشروالعلانية،رغمأنالمقصودهوسلبالحريةكأجراءجنائيوليسكعقوبة. والفرقواضحجليبينالاثنين.  كماانالمقصودهوقضاياالصحافة،وليسكلالجرائمالتيترتكببطريقالنشروالعلانية. ونعتقدجازمينأنالتقييمبنىعلىعدمفهمللنصونطاقه. منناحيةأخرى،طالبتالدراسةباستعمالمصطلحاتتستعملللتوصيفالفقهيفيالصياغةالتشريعية،وهوخلطبينمهمةالفقهومهمةالمشرع. منذلكانهاانتهتاليضرورةالنصعلىوصفالرقابةالسابقةفيالفقرتينالسادسةوالسابعةمنالمادة 139،رغمأنالنصلالبسفيهعندنصهعلىأنمناختصاصالمحكمةالدستورية (مراجعةالمعاهداتوالاتفاقياتقبلالتصديقعليها) (ف6،م139)،وعندنصهأن من اختصاصها (مراجعةقوانينالانتخاباتوالاستفتاءاتقبلاصدارها.)(ف 7 م 139).

ومنالغريبأنالدراسةتنتقدالمشروعلتبنيهمصطلحاتتقولأنهاغريبةعلىالثقافةالقانونيةالليبيةكمصطلحيالتفريعوالتدبيرالحر،وكأنهاتطالببأنتنغلقالثقافةالقانونيةالليبيةعلىمصطلحاتسبقلهااكتسابها،ومنالمعلومأننقلمصطلحاتيعنىنقلأنظمة،وأنالاستفادةمنالتجاربالانسانيةالمتجددةتستوجبالتجديدفيالمصطلحاتالمستعملةوالإضافةعليها. وبالاطلاععلىهذينالمصطلحينفيمجالالحكمالمحلي،وماكتبفيالفقهالمقارنتحتهما،يمكنالانتهاءإليالإقراربأهميةادراجهمافيمشروعالدستورالليبي،باعتبارهمامنركائزالتصوراتالحديثةللامركزية.

13/ قياسا على دساتير قليلة منها الدستور المصري، ترى الدراسة أنه كان على مشروع الدستور النص على نسبة  4 من المائة من الدخل القومي تخصص للتعليم. مع أنه يمكن للقارئ أن يقارن بين النص الوارد في المشروع، والذي ينص على اعطاء الاولوية للتعليم بمختلف أنواعه وللبحث العلمي في نسب توزيع الدخل القومي وبين رأي الدراسة. مع الأخذ في الاعتبار أننا أمام نصوص دستورية، لا نصوص قانون موازنة.

14/ انتقدت الدراسة نص المشروع على الأغلبية المطلقة للأعضاء المنتخبين(الفعليين)، بقولها أنه كان على المشروع أن يتبنى الأغلبية البسيطة، أي اغلبية الأعضاء الحاضرين،  دون أن تأخذ مثالب هذا الطرح. فتبنى نصاب الأغلبية البسيطة يؤدي إلي إلغاء قوانين تسن بأغلبية مطلقة بقوانين تسن بأغلبية الحاضرين. والنص على الأغلبية المطلقة يحد بقدر كبير من هذه الاحتمالية. وهو سبب من أسباب أخرى لاستبعاد تبنى خيار الأغلبية البسيطة ترد بشكل متكرر في أدبيات الفقه المقارن،وقد كان على فريق الدراسة الاطلاع عليها،وأخذها في الاعتبارعند تقييم المشروع.

15/ لم تقرأ الدراسة النصوص قراءة متكاملة بشأن الجنسية، ويتضح ذلك من أنها انتقدت المشروع بعدم نصه على حق أبناء الليبية في الجنسية، رغم أن المشروع أحال تنظيم الجنسية للقانون في إطار ضوابط محددة،  وعلى المشرع عن وضعه له أن يتقيد بالدستور.  فمشروع الدستور يقوم على المساواة بين المواطنين والمواطنات، ما يعنى أن القانون الذي يعتمد التمييز بين أطفال الليبية وأطفال الليبي هو نص غير دستوري وفق أحكامه. الأمر الذي يمكن أن يستنتج منه أن القراءة التي أجريت للنصوص لم تكن قراءة قانونية دقيقة.

16/  الدراسة في عدة مواضع تطالب بتكرار ما يفيد الاختصاص وكأننا أمام مقالات فقهية. ومن ذلك،  أن نص المادة 133 ينص بشكل واضح على  أن اختصاص القضاء العسكري بشكل لا لبس فيه ينحصر في نظر الجرائم العسكرية التي يرتكبها عسكريون،  وأنه بذلك يحظر عليها محاكمة المدنية،  إلا أن الدراسة تطالب بتحويل النص إلي شرح مضمونه بداخله، وذكر نتائج انفاذه في متنه،  وقالت بضرورة أن ينص على عدم جواز محاكمة المدنيين.

الدراسة تقترح- أيضا- صياغات بديلة لا تستجيب للمصطلحات التي جرى العرف على ادراجها في النصوص الدستورية، ومن ذلك الصياغة البديلة التي اقترحها  ادراج عبارة (باستثناء شرط السن حيث يشترط ألا يقل….)،  في تعليقها على نص المادة 76،  والتي تنص على ( ألا يقل عمر المترشح عن اربعين سنة ميلادية….). ومن المعلوم أنه لا يستقيم في الصياغة القانونية ايراد كلمات من قبيل (حيث). وهو نوع من الخلط بين الأسلوبين التشريعي والقضائي.

17/ تجاهلت الدراسة المنهج المقارن، رغم انها تقول أنه أحد أهم المعايير التي اعتمدت عليها.  ومن ذلك انتقادها للنص المتعلق بالجنسية الذي يحيل تنظيم الجنسية للقانون في اطار ضوابط دستورية، تتمثل في الأمن الوطني والمصلحة العليا للبلاد وسهولة الاندماج في المجتمع الليبي. وإحالة الجنسية للقانون هو المنهج السائد في الدساتير المقارنة. مع ملاحظة أن النص الخاص بالجنسية (م 186) الوارد في باب الاحكام الانتقالية لم يكن من المناسب ان ينفصل النظر فيه عن النظر في نص المادة 10 الوارد في الباب الأول، حيث أنهما لا يقبلان التقييم بشكل منفصل.

18/ انتقدت الدراس نص المشروع في مادته 185، بقولها أن مدة التمييز الايجابي للمرأة بوضع (كوتا) يجب أن يكون لمدة 12 سنة بدل النص على الكوتا لمدة دورتين انتخابيتين، دون أن تحدد أسباب ذلك ، ما يجعل من الانتقاد مجرد رأي شخصي، ومع تجاهل أن هذا النص هو نص تمييز ايجابي مؤقت، ورد إلي جانب التمييز الإيجابي الدائم،الذي ورد في المادة 49 بالنص على حق التمثيل المرأة في الانتخابات العامة بشكل دائم. فعدم الاخذ في الاعتبار ضمان التمثيل الدائم، أثر في النظر للمقاعد المحجوزة للمرأة في النص الانتقالي. مع العلم بأن هذا الأمر تمت مناقشته بشكل واسع مع منظمات المجتمع المدني، وأن هناك اتجاه ينادي بالمساواة بين المواطنين والمواطنات على اطلاقه، وهم –أيضا- لهم حق الاستفتاء على المشروع. وإذا كان الأمر كذلك، فإنه لا يمكن تقييم مشروع دستور ينتظر الاستفتاءعليهم من الليبيين جميعا بمواقف شخصية.

وأخيرا، فإن هذه الدراسة، التي أعدها فريق مركز دراسات القانون والمجتمع بجامعة بنغازي، اعتمدت على مقدمات غير صحيحة، ومن ذلك أنه ورد فيها أن الهيئة لم تقم بالاتصال المباشر، دون أن يطلع فريق الدراسة على ارشيف الهيئة، والمذكرات التي تلقتها من المواطنين، ومن منظمات المجتمع المدني، ومن الأجهزة المختلفة في الدولة، ودون أن يجرى مناقشات مع أعضاء الهيئة.  كما أنه لم يطلع على لقاءات الهيئة في مختلف مدن ليبيا،  فالهيئة قامت بعقد لقاءات ونقاشات وتشاورات مع الليبيين في الداخل والخارج، وخاصة في دولتي مصر وتونس،  وزارت المدن الليبية إلا قليل منها منعت ظروف أمنية من زيارتها بشكل جماعي. ومن ذلك، قطعطريقها لمدينة بني وليد نتيجة لاشتباكات مسلحة بين مدينتي ترهونة وبني وليد، وعدم تمكنها من الهبوط في مطار الكفرة بعد التهديد، واضطرار قائد الطائرةلتغيير وجهته إلي مطار 59 بجالو. من ناحية أخرى،  ذكرت الدراسة أن ممثلي الأقليات قاطعوا الهيئة دون أن تأخذ في الاعتبار أن ممثلي التوارق هو من ضمن الموافقين على المشروع، ودون الاطلاع على اللقاءات الموسعة التي عقدتها الهيئة مع الاخوة الأمازيغ، والتي  كان آخرها اللقاء مع عمداء البلديات الامازيغية بمدينة يفرن قبل اعداد المسودة الاخيرة، التي تم التصويت عليها فيما بعد، وتحولت لمشروع للدستور. ولأهمية مناقشة مثل هذه الدراسات، فإننا بصدد إعداد دراسة تتناول المعايير التي اعتمد عليها فريق المركز ومدى دقة اعمالها على كل نص على حده، نأمل أن تنشر قريبا.

 

شاهد أيضاً

المصيرُ الليبيُ رهينةٌ بين أيدي الفرنسيين والايطاليين

رشيد خشانة/ كاتب تونسي يحتدُ الصراع يوما بعد يوم بين الفرنسيين والايطاليين على تقاسم الكعكة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.