السبت , 21 أبريل 2018
الرئيسية » تحليلات » الجنرال في متاهته: حفتر يتطلع إلى السلطة منفردا

الجنرال في متاهته: حفتر يتطلع إلى السلطة منفردا

عمر الكدي/ صحفي وكاتب ليبي

شكل خليفة حفتر مشكلة منذ عودته من منفاه في لانغلي بالولايات المتحدة بعيد قيام ثورة 17 شباط/فبراير 2011، فقد وصفه رئيس المجلس الانتقالي مصطفى عبد الجليل بـ«المتعجرف»، وكان يقارن بينه وبين اللواء عبد الفتاح يونس، آخر وزراء الداخلية في عهد القذافي والذي انشق مبكرا وقاد قوات الثوار في شرق ليبيا، إلا أنه لقي حتفه مبكرا على يد إسلاميين متطرفين لم ينسوا دوره في قمعهم في منتصف التسعينات عندما كان قائدا للقوات الخاصة، وكان الاثنان يتنافسان على قيادة قوات الثوار، إلا أن يونس كان لا يزال على صلة مع كبار ضباط القذافي، محاولا تحييدهم عندما تحين اللحظة لدخول طرابلس، ونجح في تحييد اللواء البراني اشكال، آمر كتيبة امحمد المكلفة بحماية مقر القذافي في باب العزيزية، الذي أمر قواته بالانسحاب بمجرد دخول الثوار إلى طرابلس، وهكذا نجح يونس وهو ميت في تقليل كلفة تحرير طرابلس التي كانت تقدر بعشرات الآلاف من القتلى، إلا أن أعداءه استغلوا اتصالاته بضباط القذافي ليتهموه بالخيانة العظمى وليلقى مصيره المأساوي، وعندها قال مصطفى عبد الجليل «مشكلتنا أن لدينا أثنان أحدهما خائن والآخر متعجرف».

حتى يتخلص منه عمد رئيس الحكومة المؤقتة علي زيدان إلى ترقيته من رتبة عقيد إلى رتبة لواء وأحاله إلى التقاعد، ولكن حفتر منذ أواخر 2011 نجح في جمع 150 ضابطا اعتبروه القائد العام للجيش الوطني، واحتاج إلى مزيد من الوقت لينظم صفوف قواته القليلة العدد والعدة، وبعد أن بدأت عمليات اغتيال ضباط الجيش والشرطة والقضاة ووكلاء النيابة والصحافيين والنشطاء في بنغازي، تحرك حفتر وألقى بيانا على قناة «العربية» في شباط/فبراير 2014 سمي بالانقلاب التلفزيوني، مما جعل علي زيدان يصدر مذكرة باعتقاله، إلا أن علي زيدان أجبر على الفرار من طرابلس إلى مالطا، قبل أن يعين المؤتمر الوطني الذي هيمن عليه الإسلاميون وزير الدفاع عبد الله الثني رئيسا للحكومة المؤقتة وليجبر بعد أشهر على الفرار من طرابلس إلى مدينة البيضاء شرق البلاد.

في تموز/يوليو 2014 أعلن حفتر ما سماه «عملية الكرامة» بعد أن حشد عددا كبيرا من الضباط الذين فضلوا الموت في ساحات المعارك، بدلا من الموت اغتيالا في بنغازي، واتخذ من منطقة الرجمة شرق بنغازي مركزا لقيادته التي لا يتجاوز عدد سكانها 3 آلاف نسمة، كما اتخذ من مدينة المرج مركزا آخر للقيادة، واستغل وجود الحكومة المؤقتة في البيضاء ومجلس النواب في طبرق والمدينتان في شرق ليبيا ليكتسب شيئا من الشرعية. في البداية لم يمتثل الثني الذي ينحدر من مدينة غدامس في أقصى الغرب الليبي لأوامر حفتر، ولكن منعه من السفر ومضايقات أنصار حفتر له جعلته ينصاع، بينما تحالف حفتر مع رئيس مجلس النواب عقيلة صالح لحاجته إلى دعم قبيلة العبيدات التي ينحدر منها صالح وهي أكبر قبيلة في شرق ليبيا، ففي اذار/مارس 2015 عين مجلس النواب اللواء خليفة حفتر قائد عاما للجيش الليبي قبل أن يرقيه إلى رتبة مشير، وتمكن حفتر في شباط/فبراير 2016 من طرد الإسلاميين خارج بنغازي باستثناء بعض الأحياء في غربها وفي وسطها، وفي أيلول/سبتمبر 2016 تمكنت قواته من السيطرة على منطقة الهلال النفطي التي تضم أهم موانئ النفط في البلاد، وهكذا أصبح رقما صعبا، فهو يسيطر على النفط وعلى الحكومة المؤقتة ومجلس النواب الذي لم ينجح في عقد جلسة واحدة مكتملة النصاب منذ ذلك الوقت، نظر لتخوف الكثر من نواب الغرب والجنوب من التواجد في طبرق.

كان حفتر يمضي قدما في مخططه الذي يتلخص بتشكيل مجلس عسكري يحكم البلاد لمدة سبع سنوات، إلا أن التوصل إلى اتفاق الصخيرات الموقع يوم 17 كانون الأول/ديسمبر 2015 حال دون ذلك، فالاتفاق أسفر عن تشكيل المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني برئاسة فائز السراج وعضوية ثمانية آخرين، أحدهم يمثل حفتر وهو علي القطراني، والثاني يمثل إبراهيم الجضران الرئيس السابق لجهاز حرس المنشآت النفطية الذي كان لا يزال يسيطر على الهلال النفطي وهو فتحي المجبري، والثالث يمثل مصراتة وهو أحمد معيتيق، والرابع يمثل الزنتان وهو عمر الأسود، وممثل عن الجنوب وهو موسى الكوني قبل أن يستقيل، وآخر يمثل الجماعة الإسلامية المقاتلة، وآخر يمثل الإخوان المسلمين، ومن البداية أدرك الجميع أن هذا العدد من الربابنة يكفي لاغراق أكبر السفن، ولم تنجح محاولات المبعوث الأممي السابق مارتن كوبلر في تقريب وجهات النظر، بل أن حفتر لم يقابله إلا مرة واحدة وترك أمره لعقيلة صالح الذي كان يماطله بدهاء منتظرا نهاية الاتفاق يوم 17 كانون الأول/ديسمبر 2017. ومع مرور الوقت أدرك صالح أنه لن يكون شريكا في السلطة وعندها بدأ يتغير ويؤيد الذهاب إلى الانتخابات، خاصة إذا ضمن وجوده في المجلس الرئاسي الذي سيتكون هذه المرة من ثلاثة رؤوس فقط تمثل أقاليم البلاد الثلاثة، أما حفتر الذي رفض مقابلة السراج في القاهرة قبل أن ينجح محمد بن زايد في الجمع بينهما في أبو ظبي في أيار/مايو 2017 فلم يعترف بالمجلس الرئاسي، بحجة أن مجلس النواب لم يصادق على حكومة الوفاق، حتى بعد أن اجتمعا تحت رعاية الرئيس الفرنسي ماكرون قرب باريس، وبالرغم من موافقة حفتر على الذهاب إلى الانتخابات في تصريحاته الأخيرة خلال زيارته إلى روما قبل أيام، إلا أن مشكلته الرئيسية هي أنه لو ترشح إلى الانتخابات الرئاسية فعليه نزع بذلة المشير، ولكن إذا فشل في الانتخابات لن يستطيع العودة إلى بذلته الأثيرة وعندها سيفقد كل شيء، وهكذا لجأ إلى خيار التفويض وهو حملة بدأ أنصاره في التحشيد لها في شرق البلاد منذ عدة أشهر، ومفادها أنه بحلول يوم 17 كانون الأول/ديسمبر 2017 ينتهي الاتفاق السياسي وتنتهي كل الأجسام المبثقة عنه ويفوض الشعب خليفة حفتر قائدا للبلاد، وهو ما لخصه خطاب حفتر في اليوم نفسه.

عمليا لا يستطيع حفتر فرض إرادته على كل البلاد لا سياسيا ولا عسكريا، فمن الناحية السياسية يظل غرب البلاد الذي يشكل أكثر من 62 في المئة من عدد الناخبين هو الذي يحدد من يحكم البلاد، كما أن شعبية حفتر بدأت في الانكماش منذ صدامه مع المتحدث السابق باسمه محمد حجازي الذي ينحدر من قبيلة الدرسة، وأيضا وكيل وزارة الدفاع في حكومة الوفاق فرج قعيم الذي ينحدر من قبيلة العواقير الذي أتهم حفتر بمحاولة اغتياله، كما أن القمع الذي طال النشطاء والصحافيين في شرق ليبيا وما يجري في سجن قرنادة سيجعل الكثيرين يترددون في انتخاب حفتر.

عسكريا لا يستطيع أيضا فرض إرادته على جميع الليبيين، فالقوة العسكرية الأهم موجودة في مصراتة وهي التي تمكنت من هزيمة تنظيم «داعش» وطرده من سرت، وإن اختلف أبناء مصراتة في قضايا كثيرة إلا أنهم على موقف واحد من حفتر، أما حلفاؤه في الزنتان فتغير موقفهم من حفتر بعد أن عين السراج اللواء أسامة الجويلي قائدا عسكريا للمنطقة الغربية، والذي تمكن مؤخرا من السيطرة على منطقة ورشفانة وطرد أنصار القذافي منها، وفي الجنوب لا يستطيع حلفاء حفتر ومعظمهم من أنصار القذافي مثل اللواء محمد بن نايل هزيمة القوة الثالثة المحسوبة على مصراتة، ولكنه يستطيع السيطرة على شرق ليبيا مما يجعل من سيناريو التقسيم أمرا واردا إذا طالت الأزمة.

منذ تعيينه مبعوثا أمميا لدى ليبيا استمع غسان سلامة إلى معظم الأطياف الليبية، وخرج بنتيجة تفيد أن بلادا تعيش في ظل سلطتين تشريعيتين وثلاث حكومات لن تستطيع التوحد. في البداية اقترح تعديل اتفاق الصخيرات بحيث يشكل مجلسا رئاسيا من ثلاثة أعضاء وحكومة يعينها المجلس، ولكن المادة 15 من الاتفاق السياسي ظلت عقدة المنشار، وهي المادة التي تنص على أن المجلس الرئاسي يعين المرشحين إلى المناصب السيادية العليا في الدولة سواء كانت عسكرية أو أمنية أو مدنية، والمشير يرفض هذه المادة ويطالب بإلغاءها وحتى لو ألغيت يرفض المشير أن يكون تحت السلطة السياسية في البلاد، وبالتالي رأى سلامة أن الحل الأمثل هو الذهاب إلى الانتخابات لانتخاب رئيس واحد وبرلمان واحد وتشكيل حكومة واحدة بدلا من هذه الفوضى.

اتفاق وزراء خارجية مصر والجزائر وتونس في اجتماعهم الأخير على خيار الانتخابات ودعم خطة سلامة، بالإضافة إلى تأييد الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والجامعة العربية لخطة سلامة، يجعل من حفتر معزولا حتى من أقرب حلفائه مصر والإمارات، فلا يمكن للإمارات ان تؤيد موقف حفتر وهي تحارب الانقلابيين في اليمن، ولا يمكن لمصر الاستمرار في تأييده وهي تنظر إلى حسابات إقليمية ودولية معقدة بالإضافة إلى مصالحها الكبيرة في ليبيا. يبدو أن الجنرال دخل إلى متاهته منفردا ولن يخرج منها أبدا.

القدس العربي

شاهد أيضاً

مرض حفتر: حتى لو..!

السنوسي بسيكري تصدر خبر مرض المشير خليفة حفتر الأخبار المحلية، وزاحم الأخبار العربية والدولية وتكلمت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *