الأربعاء , 19 يونيو 2019
الرئيسية » ثقافة وأدب » حتى الملائكة تسأل … (موت و ولادة) ….!!

حتى الملائكة تسأل … (موت و ولادة) ….!!

عطية الأوجلي/ كاتب ليبي

 

تحول الإنسان من دين لأخر ليس هو بالأمر الهين ولا هو بالتجربة اليسيرة. فهي تجربة غالبا ما تكون مشحونة بالقلق والتوتر، بالانفعال والحلم، بالأمل واليأس؛ … تجربة تحمل مفردات الموت والولادة. الولادة لهوية جديدة بما يرافقها من عسر وصعوبات الانتماء بأبعاده الإنسانية والثقافية؛ والانسلاخ عن علاقات، وأنماط وجماعات تمتد في ذاكرة المرء وتشكل جزء من كيانه؛ تجربة التحول هذه يروي تفاصيلها لنا كتاب (حتى الملائكة تسأل) الذي قام بتأليفه الدكتور جيفري لانج، أستاذ الرياضيات بجامعة كنساس الأمريكية والذي يقدم فيه عرضاً لتجربته ولتجارب آخرين مثله مما دخلوا الدين الإسلامي؛كما يقدم رؤية تحليلية للمجتمع المسلم في الغرب ولبعض البلدان الإسلامية مثل المملكة العربية السعودية.

 

يبدأ الدكتور لانج كتابه بمشهد يوم عظيم. حين يخاطب الله عز وجل ملائكته بأنه جاعل في الأرض خليفة، ويأتي التساؤل تعبيرا عن الحيرة والقلق على لسان هذه المخلوقات النورانية….” أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء..؟؟”؛ هذه المخلوقات الوديعة المسالمة تسأل الباري عن الحكمة وراء خلق هذا المخلوق العاصي العجول المتمرد…وهو نفس التساؤل الذي واجه الكاتب عند قراءاته لصفحات القرآن الكريم.

 

(مواجهة مع القرآن) ….!!

 

ولد الكاتب في يناير من العام 1954 لأسرة مسيحية بالغة التدين، دفعت به إلى المدارس الكاثوليكية، التي اشتهرت بتزمت مناهجها وصرامة مدرسيها، ليعيش بعقله المتشكك صراعا داخليا حادا بين معتقداته الشخصية وموروث أهلة لينتهي به المطاف بإعلان إلحاده وهو في الثامنة عشر من عمره بسبب ما أسماها اعتراضات عقلانية على فكرة الله في المسيحية. وبقى في رحلة شكه هذه سنوات عشر، ليجد نفسه وهو أستاذا جامعيا بمدينة سان فرانسيسكو في مواجهة جديدة مع دين جديد. فأثناء تدريسه لمادة الرياضيات بجامعة سان فرانسيسكو تعرف على مجموعة من الطلاب الأجانب ونشأت بينه وبينهم علاقات ود ومحبة قادته إلى الرغبة في معرفة المزيد عنهم وعن ديانتهم الإسلامية، فقرر أن يقرأ القرآن الكريم ……. وهي تجربة يصفها بأنها لم تكن سارة على الإطلاق…

 

” …..إذ لم أكد أمضي في قراءة سبع و ثلاثين آية من القرآن إلا و قد أُثير قلقي و استيائي إلى الحد الأقصى. فتساءلت : “لِمَ (يا رب) تخضع الجنس البشري إلى ألم دنيوي؟ ..لم لم تنقلنا إلى الجنة و تضعنا هناك منذ البداية؟ لماذا كتبت علينا _معشر البشر_ الصراع من أجل البقاء؟ لم خلقتنا ضعفاء و أعداء لأنفسنا مدمرين لها؟ لماذا كتبت علينا أن نحيا بقلوب منكسرة و أحلام محطمة، بحب ضائع و شباب زائل و أزمات و محن لا تحصى؟ لماذا كتبت علينا أن نتجرع ألم المخاض و سكرات الموت، لماذا؟ نتوسل إليك (اللهم) بإحباط و ذل “لماذا”؟ نناشدك (يا رب) و الأسى و الحماقة تملأ جوارحنا “لماذا؟” إننا نلح بكربنا، “لماذا؟” نصرخ بصوت يطال عنان السماء: “لماذا؟” فإذا كنت موجوداً و تسمعنا (يا رب) فنبئنا لماذا خلقت الإنسان؟….”

 

“ليس بالإمكان أن تقْرأَ القرآن ببساطة أو استهانة؟ ذلك إن كنت جادا في الأمر. فالقرآن أمّا أن تستسلم له أو تحاربه. فهو يُهاجمُك بشكل عنيد، ومباشر، وشخصي. فهو يُناقش، ويَنتقد، ويعزر، ويَتحدّى….. مِنْ البدايةِ تحدد خَطَّ المعركة، و كُنْتُ أنا على الجانب الآخر. ؟” هكذا وَجدَ جيفري لانج نفسه طرفا في معركة مثيرة…..؟.

 

“كُنْتُ في وضع لا أُحسَد عليه، فمن الواضح أن مُؤلفَ ذاك الكتاب (القرآن) يعَرفَني أفضل مِما أعرف نفسي. كنت كل ليلة أختلق بَعْض الأسئلة والاعتراضات، لأجد الجواب في القراءة التالية بينما كنت أواصل قراءاتي بالطريقة المتفق عليها. …. كان القرآن دائما يسبقني… يزيل موانعَ بَنيتُ قبل سنوات ويرد على استفساراتي… جادلت بشدّة بالاعتراضات والأسئلة، ولكنني أدركت أنني كنت أخسر المعركة. كنت انقاد إلى طريق ليس لها سوى مخرج واحد ….ففي هذا الكتاب وجدت أجوبة متماسكة ومنطقية لأسئلتي، وهو ما دفعني لاحقا للإيمان بالله ……….، وهكذا أصبحت مسلما”.

 

(صلاتي الأولى) ….

 

في سنوات شبابه كان ثمة حلم يتراءى لجيفري بين الحين والأخر …يسرده قائلا : ..كانَت الغرفة صغيرة جدا وخالية من الأثاث و بجدران رمادية عارية. الزينة الوحيدة كَانتْ سجادة مزخرفة بالأحمر والأبيض تغطي الأرضيةَ. كانت هناك نافذة صغيرة، مثل نافذة سرداب أو قبو، تعلو وجوهنا بقليل وتواجهنا وتشع نورا ساطعا. . . . .سمعت رنين جرس ثم ساد الهدوء. كُنّا مصطفين وكنت في الصف الثالث. كنا رجالاً فقط، لا نِساءَ بيننا، نَجْلسُ بمواجهة النافذة.

شعرت بغربة بينهم. لم أتعرف على أحد. بدا كما لو أنني في بلاد أجنبية. ركعنا سوية ووجوهنا إلى الأرض. ثمة هدوء وسكينة كما لو أننا فقدنا كل اتصال بالعالم من حولنا. تطلعت إلى الأمام، ثمة شخص يقودنا يقف أمامي إلى اليسار. كان يقف وحيداً جوار النافذة. لفترة قصيرة لمحت ظهرَه. كَانَ يَلْبسُ رداء طويلا أبيض اللون، وعلى رأسه وشاح أبيض موشى بالأحمر. حينها….. صحوت من الحلم.”

 

خلال السَنَوات العشْر التالية رأى جيفري الحلمِ مرات عدّة. لم يضايقه ذلك، وأن أحس بالغرابة عند الاستيقاظ. لم يَعْرف معناه، لم يستطع تفسيره لذا لم يهتم كثيرا به. كَانَ ذلك في بداية الثمانينات حيث كان هناك العديد مِنْ المسلمين في حرم جامعة سان فرانسيسكو حين اكتشف جيفري مكاناً صغيراً في قبو كنيسة جَعل منه الطلاب المسلمون مكاناً لأداء صلواتهم اليومية. بعد أن تغلب على تردده.. امتلك الشجاعةِ الكافية لزيَاْرَة ذلك المكان.

عندما خَرجَ منه بعد ساعات قليلة، أعلنَ الشهادتين اللتين كانتا إعلان حياة جديدة. “أَشْهدُ أن لا إله إلا اللهَ وأن محمداً رسولُ الله”. كان الوقت عصرا فُدعي للمشاركة في الصلاة. استقامت الصفوف وانتظمت وراء إمام يدعى غسان، وبدأ الجميع في أداء صلاتهم.

 

“سجدنا ووجوهنا على السجادةِ الحمراء والبيضاء. . ثمة هدوء وسكينة كما لو أننا فقدنا كل اتصال بالعالم من حولنا. بعد إتمام الصلاة تطلعت نحو الإمام. كان غسان جالساً إمامي على اليسار تحت النافذة التي كَانتْ تُغرقُ الغرفةَ بالضوء. كان يجلس وحيدا مرتديا ثوبا طويلاً ابيض اللون وعلى رأسهِ عمامة بيضاء مخضبة باللون الأحمر.

 

الحلم! .. صَرختُ داخلياً. إنه الحلم بحذافيره ! كنت قد نَسيتُه تماما، ُذهلتُ وانتابني شيء من الخوف. هَلْ أَحْلمُ؟ تساءلت. هَلْ سأَصْحو؟ حاولتُ التَركيز على ما كَانَ يَحْدثُ لأعر ف إن كنت نائمَا. قشعريرة باردة تَدفّقَت في جسمِي، جْعلُتني أَرتجفُ. يا إلهي، أحقيقي هذا ..! بعدها انحسرت البرودة، أحسست بدفءِ ناعم يشع داخلي. وانهمرت الدموع من عيناي”.

(كان الله يوجهني) ….!!

 

رحلة كُلّ شخص إلى الإسلامِ هي رحلة فريدُة من نوعها، تتَفَاوُت الطرق فيها من شخص إلى آخر، لكن رحلة الدّكتورَ جيفري لانج كانت حقا مثيرة. مِنْ تَحدّى وجودَ الله، إلى الإيمان القوي به. مِن محارب عنيف ضد القرآن إلى مستسلم له. مِن شخص يريد حياة مادية مريحة إلى إنسان يريد حياة مليئة بالحب والرحمة والروحانية، ومثل كُلّ المسلمين الذين يعودون إلى الله شعر د. لانج أن فضل الله كان عليه عظيما وأن الله نفسه هو الذي وجّهَه إلى الإسلامِ؟

“…….أدركتُ بأنّ الله كَانَ دائماً قُرْبي، يُوجّهُ حياتَي، يَخْلقُ لي الظروفَ والفرصَ لأختار، و يَتْركُ دائما الاختيارات الحاسمةَ لي. كُنْتُ مرهوبَا بالألفةِ والمحبة اللتين تكشّفا لي، لا لأننا نَستحقَّها، و لكن لأنها كانت دائماً هناك وكُلّ ما علينا فعله هو التوجّه إليه للحصول عليها”.

 

(لماذا أسلموا ؟)

 

لعل كتاب الدكتور لانج من الكتب القليلة التي تحدثت وبعمق عن تجربة الدخول في الدين الإسلامي من قبل الغربيين وخاصة الأمريكيون منهم. فهو لم يكتف بسرد تجربته وإنما حاول تقديم صورة نمطية عن سمات وصفات الأمريكيون الذين يدخلون الإسلام :

“يَذْكر العديد مِنْ الغربيين الذين أسلموا بأنّهم اقتنعوا ويشكل عقلاني بحقيقةِ الإسلام قَبْل اعتناقهم له؛ فمريم جميلة، على سبيل المثال، في رسائلها إلى أبو الأعلى المودودي، تصِفُ الجاذبية الفكرية التي مثلها الإسلام لها؛ كما يصف “مارمادوك بيكثال” دخوله إلى الإسلام بأنه كان نضجاً و اكتشافا ثقافياً، وخيار عقلانياً، كالذي مر به كل من محمد أسد، أمينة السلمي، ونانسي علي، و جميعهم من مشاهير المؤتمرات الإسلامية الأمريكية. غاري ميلير، الشهير بإسهاماته في الحوارات الإسلاميةِ المسيحية، يُخبرنا كَيفَ اقتنع بالإسلامِ بعد قراءته لنسخة من القرآنِ الكريم اقتناها من مكتبة بكندا. نوح كيلر، الكاتب بالمجلة الإسلامية الأمريكيةِ، يشير إلى أن دراسته المطوّلة للفلاسفة المعاصرين هي التي قادته للإسلام.

 

انطباعات أخرى عن الذين أسلموا والتي حصلت عليها مِنْ المقابلات الشخصيةِ ومن قراءتي تستحق الذكر هنا. ففي أغلب الأحيان لم يكن الذين تحولوا للإسلام يبحثون عن الخلاص الروحي عند بداية اهتمامهم بالدين الجديد؛ وقَدْ يَكُون ذلك لأسباب عِدّة : أولاً، الإسلام لا يرى أن الإيمان يأتي بالضرورة عبر المرور بتجربة روحية. فكما نعلم، الجانب الروحي في الإسلام جزءً واحداً من فهْم شامل وشمولي للحياة. ثانياً، الإسلام لا يمنح الأشخاص قدسية فورية: فالروحانية تَنْضج تدريجيا عبر الانضباط والتمسك بالقواعد الدينية. ثالثاً، التمسك والالتزام بحرفية الشرعية لدي المسلمين قَدْ يُثبّطُ عزيمة أولئك الذين يُؤكّدون الجانب الروحي للإيمان؛ حتى أنهم قد يرون أنه ثمة مبالغة في هذا التمسك.

 

أكثر الذين دخلوا الإسلام من الأمريكيين والأوربيين كانوا في البداية متشوّقين لمعرفة اعتقادات وممارسات المسلمين الذين قابلوهم. في أغلب الأحيان هم يَذْكرونَ بأنّ الاختلاف بين الصورة التي يروجها الإعلام حول المسلمين و ما لمسوه شخصيا قد ضاعف من اهتمامهم بمعرفة هذا الدين. الكثير يعترفون بأنّهم قد تأثروا بأصدقائهم أو أحبتهم من المسلمين، لَكنَّهم يُضيفونَ أنه في أغلب الأحيان قد تم تشجيعهم بقوة ( من طرف أصدقائهم) لدراسة الدين والتعمق فيه ، وتحذيرهم من قبوله قبل الاقتناع الكامل به. (الشعور العامّ بين المسلمين بأنّ المنافق أكثرُ خطورة لنفسه وللناس مِنْ المنكر للدين). يُصور العديد مِنْ المسلمين الجدد دخولهم إلى الإسلام كاعتراف بحقيقة تم إدراكها. كانوا يرون ، في أغلب الأحيان، أنه كان عليهم الاختيار بين مصالحهم المادية وروابطهم الاجتماعية و بين علاقتهم بالله.

 

في الغالب كان الذين دخلوا الإسلام من الغربيين من ذوي النزعة المستقلة. كانوا رجالاً رافضين رؤى مجتمعهم وأهدافه وأحلامه. شاركوا في أغلب الأحيان في تأييد قضايا أو أشخاص لا يناصرهم الأغلبية في مجتمعاتهم، كما كانوا يجتنبون الأضواء. لقد وصف العديد منهم أنفسهم بأنهم كانوا غرباء في مجتمعاتهم قبل اعتناقهم للإسلام. هم أصحاب نزعة مثالية، فالثروة، والشهرة، والسلطة لَيستْ مهمة لهم كالمبادئ والحرية الشخصية. في أغلب الأحيان كانت أرائهم السياسية في السابق تحريرية أو يسارية. هم أفراد واثقون بأنفسهم، عنيدون، مغامرون ومستقلي التفكير. هم فضوليون تتملكهم الرغبة في معرفة الجديد، مع ميل في بعض الأحيان إلى التصلب في عرض الآراء. قلة منهم، مثل مريم جميلة، تعترف بأنها كانت تمر بأزمة عاطفية قبل فترة قليلة من اهتمامها بالإسلام، لكن هذا أمرا ليس شائعا بينهم. الكثير من الذين دخلوا كَانوا أما مُلحدين أَو متشككين مثل: مراد هوفمان، مريم جميلة، محمد أسد، مالكولم إكس، نوح كيلر، و كاتب هذه السطور “.

 

“في أمريكا , يَبْدو عددَ كبيرَ مِنْ البيض الذين دخلوا الإسلام قد أتوا من أصول كاثوليكية. تلك كَانتْ حالتَي بالإضافة إلى عدد من الشخصيات المعروفة مثل غاري ميللر، ستيف جونسون، جمال زارابوزا، نانسي علي، أمينة السلمي، مراد هوفمان، و نوح كيلر. بينما تبدو الخلفيات الدينية للأمريكان السود الذين دخلوا الإسلام متنوعة بتنوع الديانات بأمريكا. فيما يلي محاولة لرسم ملامح الشخصية الغربية التي يحتمل تحولها نحو الإسلام : شاب نسبيا، بين الخامسة والعشرين والأربعين عاما، مثالي. مضح بالنفس. مستقل بآرائه، يعيش نوعا من العزلة، يفضّلُ صحبة المحرومين والمضطهدين. غير مادي أو قد يميل إلى الزهد. ناشط سياسيا ذو آراء ليبرالية أو يسارية؛ جامعي التعليم، قادرة على تبني وجهات نظر مغايرة وبشكل صارم ومفاجئ ، تأمّلي، يفضل العقلانية على الروحانية في الدين. ناقد للآخرين. يميل إلى تأييد الزعامات المتطرفة. بعض هذه الصفات يُمْكِنُ أَنْ تعيق الشخص لدى دخوله الإسلام وانضمامه للجالية الإسلامية. فالإصرار لدى الجالية على تقليد الرسول الكريم والسلف الصالح قد يتعارض و توجهات الأشخاص ذوي النزعة الاستقلالية. كما أن بعض المسلمون سيشعرون أن واقع النساء بين بعض المسلمين يتناقض مع خلفيتهم الغربية (من الملاحظات المثيرة للانتباه، أن عددا كبيرا من النساء اللائي تحولن للإسلام كانا في السابق من دعاة المساواة بين الرجال والنساء وتحرير المرأة).

 

من المعروف أن الجالية الإسلامية المعاصرة لا ترتاح مع التوجهات الفلسفية والعقلانية التي يجلبها المسلمون الجدد معهم. و بالرغم من التواجد العددي الكبير للجالية الإسلامية في الغرب (هناك حوالي خمسة مليون مسلمَ في أمريكا الشمالية لوحدها)، إلا إن حضورها السياسي لا زال خجولا جدا مما يسبب الإحباط لدى المسلمين الجدد. كما ُسبَق وأن ذكرت، قرار الدخول في الإسلام ليس بالأمر الهين. ولكن كلما صاحبته الصعوبات كلما ازداد تصميم والتزام المسلم الجديد؛ ربما لأن مثل هؤلاء الأشخاص قد فكروا طويلاً وتقَبلوا أغلب الصعوبات والمشاكل التي تلازم التحول إلى دين جديد؛ كُلّ الذين ذكرت أسمائهم، ما عدا شخص واحد، كانوا قد درسوا الدين بتعمق ولوقت طويل قبل إعلان إسلامهم. .. قد يكون هذا من قبل الاختلاف الذي يثبت القاعدة وقد لا يكون.

 

فمن النظرة الأولى، يظهر بأن دخول “مالكولم إكس” كَانَ اندفاعاً فجائياً. بَدا اعتناقه للإسلام في السجنِ فورياً، بعد قراءة رسالةِ أَخِّيه ريجنالد. لكن هذا سَيَكُونُ استنتاجاً خاطئاً. فتحول مالكولم إكس إلى ما رآه في النهاية إسلاما حقيقيا كان في حقيقة الأمر رحلة طويلة دامت أكثر من عشرة سنوات توجت بذهابه إلى الحج بمكة. ما يبرز ذاك التحول هو الإصرار في تقبله للإسلام والإخلاص له. مع أن مالكولم كان يدرك حجم المخاطر الشخصية الهائلة المترتبة على ذلك التحول إلا أنه لم يبد إي تردد في السير حسب قناعاته وبقوة.

 

ما هي، إذن، أبرز العقبات التي تواجه اعتناق الإسلام في الغرب؟…. ما هي الأسبابَ الرئيسية التي تَجْعلُ الناسَ يترددون في اعتناق هذا الدين، حتى عندما يجذبهم إليه ؟ هذه أسئلة مهمة بالنسبة للمسلمين الذين يعيشون بالغرب، – رغم ذلك قلما يتم التطرق إليها…. لماذا لا تقوم الجالية الإسلامية بمناقشة المخاطر المحتملة التي سيتعرض إليها القادمون الجدد للإسلام ؟ ………..لماذا لا يتم دعمهم ومساندتهم في وجه هذه الضغوط و المخاطر…؟. إن معرفة ما يمر به القادمون للإسلام سيقلل من متاعبهم و سيسهم في سلاسة اندماجهم وفي دعم و تطوير الجالية الإسلامية.”.

 

(رجلان .. وكتابان) … !!

 

هذا الكتاب ذكرني بكتاب أخر و برجل أخر. ذكرني بكتاب ” الطريق إلى مكة ” للكاتب النمساوي الأصل محمد أسد فكلا الكتابين يمزج بين الرحلة الروحية، السيرة الذاتية والتحليلات الفكرية و يجمع بين سهولة التعبير وصرامة المنهج. وكلا الرجلين عاش في بيئة غربية موسرة ونشأ في أوساط متعلمة ومتدينة. الدكتور جيفري ابن لأسرة كاثوليكية و محمد أسد (ليوبلد فايس) لأسرة يهودية. وكلاهما عاشا مرحلة التحول إلى الإسلام كرحلة عقلية وفكرية مضنية يعذبها التساؤل ويقودها الإصرار و يغذيها القلق الذي يميز النفوس الباحثة عن الحق والمعرفة. وكلاهما كتب تفاصيل رحلته بأسلوب جميل و نبرات صادقة. وبهذا الكتاب ينظم الدكتور جيفري لانج إلى مجموعة متميزة من المسلمين الغربيين مثل محمد أسد، مراد هوفمان، وعلى عزت بيجوفيتش، أمينة السلمي، ونانسي علي، نوح كيلر و مريم جميلة. جميعهم مر بتجربة عقلية تأملية فيها الكثير مما يفيدنا نحن في رؤية معاني جديدة للإيمان واكتشاف قيم روحية قد تسهم في تجديد وتطوير حياتنا و تعمق من فهمنا للغير.

 

المصدر: صفحة الكاتب على فيسبوك

شاهد أيضاً

“الفن القاشاني في ليبيا”: عمارة الحقبة العثمانية

ينتسب مصطلح القاشاني إلى مدينة قاشان في إيران التي ازدهر فيها منذ القرن الثالث عشر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.