الجمعة , 14 ديسمبر 2018
الرئيسية » ثقافة وأدب » المدّ الشعبوي ضد الإجماع النخبوي
Image processed by CodeCarvings Piczard ### FREE Community Edition ### on 2014-08-02 06:17:26Z | | ÿ []ÿXZÿUWÿ«AÓÚS

المدّ الشعبوي ضد الإجماع النخبوي

مالك التريكي/ كاتب تونسي

تعرض هذه الأيام في لندن مسرحية من اقتباس الشاعر البريطاني ـ النيجيري بن أوكري لرواية «الغريب». وقد لاقت المسرحية إقبالا جماهيريا واستحسانا نقديا ليس لأن بن أوكري كيّف نص الرواية الفرنسية تكييفا تفوح منه مختلف المؤثرات النابعة من خصائص الواقع الاجتماعي والثقافي البريطاني فحسب، بل ولأن ألبير كامو بالذات أديب محبوب لدى القرّاء الأنغلوساكسون، حيث يفضّله معظمهم على خصمه السياسي والأدبي جان بول سارتر.

 

وقد تحادثت بهذه المناسبة مع مجموعة من المثقفين البريطانيين والأستراليين عن «الغريب» وعن وجه القول بـ»جزائريتها»، وتشعب الحديث حتى أفضى إلى رائعة كامو الأخرى، «الطاعون»، فإذا بي أفاجأ بأن جميعهم يعرفونها بالتفاصيل. وقد عبروا عن الإعجاب عندما قلت لهم إن الفنان المسرحي الفرنسي فرانسيس هوستر ظل يقدم، لمدة ست وعشرين سنة (بدءا من عام 1988)، عرضا مسرحيا مقتبسا من «الطاعون» وإن الجمهور قد أتيح له مشاهدة هذا العرض ألف مرة (!) في بلدان متعددة، بما فيها الولايات المتحدة. وخضنا في التعدد والتجدد في تأويلات الطاعون روائيا: فإذا كان ما قصده كامو في الأربعينيات هو التوتاليتارية (النازية والفاشية والشيوعية)، فإن هوستير رأى أن الأيدز هو الطاعون المقصود في الثمانينيات، وأن فوضى الرأسمالية الوحشية بعد سقوط الاتحاد السوفييتي هي طاعون التسعينيات، وأن القاعدة هي طاعون العقد الأول من هذا القرن وداعش طاعون العقد الثاني. ولهذا كان من الطبيعي أن نتساءل عن طاعون الأعوام القادمة وأن تجيب الأغلبية بأنه يتمثل في الشعبوية التي بدأت تجتاح عددا متزايدا من البلدان الغربية، والتي أفضت إلى بروز أنظمة الديمقراطية اللاّ ـ ليبرالية التي سبق للباحث بيار هاسنر أن سماها «الديمقرا ـ تورية». وهي أنظمة حكم هجين بين الديمقراطية مظهرا والدكتاتورية جوهرا، أي أنها أنظمة حكم تلفيقي قاتلة للحريات، ولكنها حريصة مع ذلك على تنظيم الانتخابات.

 

وإذا كانت الشعبوية الجديدة قد صارت تمثل خطرا حقيقيا على الحريات في عقر البلدان العريقة في الليبرالية، مثل بريطانيا وأمريكا وفرنسا وهولندا، فلا شك أن الخطر أدهى في البلدان القريبة العهد بالاستبداد مثل ألمانيا والنمسا وإيطاليا وإسبانيا والبرتغال واليونان، وفي بلدان أوروبا الوسطى والشرقية التي لا عهد لها بالليبرالية إطلاقا مثل المجر وبولندا ورومانيا وبلغاريا وسلوفاكيا. ولا شك أيضا أن الأجانب في كل بلد أوروبي، وخاصة منهم السود والعرب والمسلمون، سيكونون أول ضحايا هذه الردة اليمينية. إذ إن طرد الأجانب عن بكرة أبيهم (على نحو ما فعل الإسبان مع المسلمين واليهود قبل خمسة قرون) ليس مجرد سيناريو خيالي، بل إنه احتمال وارد لو أن قوى اليمين حققت وصولا متزامنا إلى الحكم في كثير من البلدان. إلا أن كل هذه الأخطار الفعلية المحدقة بالأوروبيين وبنا معهم لا ينبغي أن تمنع من فهم الأسباب الموضوعية لصعود اليمين الشعبوي.

 

ويمكن اختصار هذه الأسباب في نقطتين: أولا، أن العولمة قد أضرت بالطبقات العمالية في البلدان الغربية بالغ الضرر. فقد ثبت الآن أن العولمة تخلّف ضحايا، وأن هؤلاء الضحايا هم، في المقام الأول، عمال القطاع الصناعي في البلدان الغربية. ورغم أن العولمة عادة ما تصور على أنها قدر تاريخي محتوم لا رادّ له، فإن الحقيقة أنها ترجمة لما يعرف بـ«إجماع واشنطن» (إجماع نخبوي على مسلمات ايديولوجيا النيوليبرالية)، أي أنها نتاج لقرارات سياسية اتخذتها إدارة بيل كلنتون بالتنسيق مع مؤسسات مثل البنك العالمي، وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية.

 

أما النقطة الثانية، فهي أن بعض الشعوب بدأت تضيق ذرعا بالقيم «الدخيلة» المفروضة عليها فرضا من الخارج (وخاصة من الاتحاد الأوروبي والمنظمات الدولية)، مثل وجوب إيواء جميع اللاجئين واستيعاب جميع المهاجرين، وقبول التعددية الثقافية، والمثلية الجنسية، والإلحاد، والنسوية، وحماية البيئة، والإنجاب خارج إطار الزواج، الخ. وهي قيم يرى اليمين أنها نذير انهيار حضاري لأنها تناقض قيم الديانة المسيحية، بما فيها حرمة العائلة وهيبة السلطة وتكافل المجتمع وتراحم الأجيال.

 

القدس العربي

شاهد أيضاً

الطائر المهاجر..

عندما كنت صغيرا كنت أبكي وأشعر بالغصة الشديدة كلما قرأت قصة طائر اللقلق المهاجر والتي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.