الأحد , 19 نوفمبر 2017
الرئيسية » ثقافة وأدب » إن كنتُ أنسى فلا أنسى “مريم”…

إن كنتُ أنسى فلا أنسى “مريم”…

عمير الظريف

في صدر عام ستة وتسعين وتسعمائة وألف كنتُ سجينا في سجنِ “عين زارة” المحطة التى سبقت انتقالي إلى سجن”بوسليم” وكنتُ حينها مبطوناً إلى الحدّ الذي حمل إدارة السجن إلى الإقتناع بنقلي إلى المستشفى وقد كان،

وعندما ألقيت بجسدي المعنّى على أحدِ أسرّة مسشتشفى “الخضراء”أجرى الأطباء فحوصاتهم وكشفهم الأوليّ فبدا لهم من بعد مارأوا النتائج ليسجنني عندهم حتى حين، فصحبني الحرّاس إلى حيث سيكون المقام الجديد وقد كان في غرفة نزلاؤها من عامة الناس،وعلى وجه الدقة كان السرير في زاوية شاغرة من زوايا الغرفة، فضربوا بيني وبين بقية المرضى بسور من ستار قماشي رجوتُ أن تكون الرحمة في ظاهره وباطنه على حد سواء، لكني ما لبثتُ على فراشي الجديد حتى أطلّت” مريم” إنها الممرضة التى ستقوم بتمريضي، فشرعتْ على الفور بوضع أنابيب الدواء والغذاء في عروقي عبر إبرها التى لاتكاد تجد من وخزها ألما، لم أستطع أن أكلمها ولم تستطع هي ذلك فنظرات الحراس تحاصرها من جميع نواحيها بيدَ أنها فهمتْ مَن أكون “هويّةً” بطريق دلالة الضدية؛ إذ لم يكن خافيا عليها نوع من يعتقلنى مع قرائن أُخرى كسمتي وهيئتي ولغة عيوني، لقد بدت عليها الدهشة والشفقة من أول نظرة فكأنها _لفُجاءة مارأت_ واردةً أدْلَت دلوها فخرجتُ ممتلأ به إلى “عقد الكرب” لتقول بقلبها و أسفاه هذا “إنسان”

اتخذت مريم قراراها على الفور بإطلاق العنان لرحمتها تجاهي، غير

أنها أسرّت ذلك في نفسها ولم تبده لهم (أعنى الحراس)ولكنه تبدّى لي منذ الوهلة الأولى من خلال عيونها التى قرأتُ منها كل شيء،

رجعت مريم إلى بيتها بعد انقضاء وقت عملها ويبدو أنها لم تبت ليلتها تلك؛ فجاءت ثاني الأيام تسعى مدفوعة برحمة قوية أقلقتها وأقضت مضجعها وحملتها على الجرأة على التحدث مع الحراس في شأني، وبدورهم أحسوا بإنسانيتها الفياضة فأذنوا لها بممارستها على حذر ووجل ممن يراقبهم أن يؤذيهم؛ فهم مراقِبون ومراقَبون في الوقت نفسه،

لقد كانت بعد حصولها على الإذن كأنما نشطت من عقال أوتحررت من أغلال،فأقبلت عليّ بكليتها ولم تذر سبيلا للرحمة بي إلا سلكته،فغمرتني بالإحسان والحنان، فلاتسل بعدها عن طيب القول وزكي الطعام والشراب لا سيما الشوكولاتة التى كانت حلما صعب المنال، وزادت جرأتها من أجلي فبلغت بها أن تكلم الأطباء في أمري وتلتمس منهم أن يطيلوا أمد إقامتى أكثر مما هو مقرر عندهم وقد كان،

الحقيقة:

لقد كانت مريم فانتة ولكن في مشاعرها وأحاسيسها وسلوكها وليس في جسدها؛ لذلك انجذبتُ إليها بوصفي إنسانا ورجلا وليس ذكرا مجردا، لقد كانت العلاقة بيننا عاطفية أخوية روحية وليست غرامية أو جسدية شهوانية،

أنا لا أظن أن ثمة إحساسا قبل الرحمة يحق له أن يكون سفيرا -فوق العادة- للمشاعر اﻹنسانية الصادقة،

ومما تجدر الإشارة إليه في هذا السياق أن أحد المرضى كان معه جهاز تسجيل صوتي(مسجَّل) وكان يُسمع الجميع السامع والمستمع منه ما يروقه ويطربه بصوت غير صاخب كل ليلة ،فكانت أول أغنية تقع على سمعي ذات كلمات راقية المعنى نافعة في ذلك الحال لاغبار عليها من هذه الحيثية، لكنى لاأعرف من المغنّي ولا صاحب الكلمات، تقول الكلمات في بدايتها “تبكي ليش خليها على الله صبرك خير من دمع المذلة، اصبر على الهموم امغير الله ما حاجة ادوم تبكي كل يوم اتنوح كل يوم ولا كان تبكي العمر كله” لا أخفي عليكم أنه قد كان لها أثر طيب في نفسي و،أخيرا جزى الله مريم عني كل خير وجعلها مباركة أينما كانت فأنا لم أنس مريم من دعائي ولا من ذكر معروفها كلما ذكرتها واقتضى الحال ذلك.

شاهد أيضاً

ابتسمْ .. أنتَ في طرابلس!

جمعة بوكليب/ كاتب ليبي بوابة الوسط ابتسمْ أنتَ، الآن، أخيراً، في مدينتك طرابلس بعد غياب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *