الأربعاء , 24 أبريل 2019
الرئيسية » تقدير موقف » التنافس الفرنسي – الإيطالي على النفوذ في ليبيا

التنافس الفرنسي – الإيطالي على النفوذ في ليبيا

أحمد قاسم حسين/ باحث في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات

مقدمة

بات التنافس بين القوى الإقليمية والدولية واضحًا في مسار الأزمة الليبية، خاصة بين الدولتين الأوروبيتين فرنسا وإيطاليا، اللتين اتسم سلوكهما في ليبيا بالدينامية والتغيير المستمر بما يحقق مصالحهما، ويعزز نفوذهما، ويضمن أمنهما القومي. وقد قاد ذلك إلى تناقض وعدم اتفاق بينهما. وتطور الأمر بين مسؤولي الدولتين ليصل إلى حرب كلامية، على الرغم من اعترافهما بالاتفاق السياسي الليبي “الصخيرات” ومخرجاته، والتزامهما الخطاب الأوروبي المشترك بضرورة التحرك الدبلوماسي لحل الأزمة الليبية بالطرق السلمية. فقد اتهم نائب رئيس الوزراء ووزير الداخلية الإيطالي ماتيو سالفيني، وهو زعيم حزب رابطة الشمال اليميني المتطرف، فرنسا بأنها “تسلب خيرات أفريقيا”، وأنه “لا مصلحة لها في استقرار ليبيا، لأن لديها مصالح نفطية تتناقض مع المصالح الإيطالية”[1]. وسبق تصريحات سالفيني تصريحٌ للنائب الثاني لرئيس الحكومة الإيطالية لويجي دي مايو، من حركة خمس نجوم، وهو حزب شعبوي، وصف فيها الفرنك الغرب-أفريقي بـ “العملة الاستعمارية”، في إشارة للعملة المشتركة لدول غرب أفريقيا التي كانت تحتلها فرنسا في الحقبة الاستعمارية في القرن العشرين. وعلق دي مايو في وقت سابق على الحركة الاحتجاجية في فرنسا “السترات الصفراء”، معبرًا عن دعمها واستعداد حزبه لمساعدتها في إطلاق منظومة للديمقراطية المباشرة على شبكة الإنترنت[2]. وقد أرجع دي مايو تصريحاته الحادة في انتقاد السلطات في باريس إلى وصف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الحكومة الإيطالية الحالية المحسوبة على الشعبويين، بـ “الجذام” الذي عاد ينتشر في أوروبا.

 

وتعكس هذه الحرب الكلامية بين مسؤولي الدولتين حجم التناقض والتعارض في الرؤى والمصالح في الساحة الليبية، على نحو ربما يفضي إلى أزمة دبلوماسية بين الطرفين تؤثر في توجهات الاتحاد الأوروبي لإيجاد حل مشترك للأزمة الليبية التي تمثّل تهديدًا لأمن دوله، وبخاصة المطلة على البحر الأبيض المتوسط. وفي هذا الصدد، دعت المفوضية الأوروبية، على لسان مارغريتس شيناس، الناطق الرسمي باسم الجهاز التنفيذي الأوروبي، فرنسا وإيطاليا إلى تجنب التلاسن والتصعيد الكلامي بينهما، والركون إلى التهدئة، وتوخّي أسلوب الحوار والتعاون بدلًا من التعليقات وتبادل التهم[3].

 

الأمن الأوروبي يبدأ من الحدود الليبية

تميّزت الثورة الليبية التي بدأت شعبية مدنية، بحضورٍ فاعل ومؤثر للقوى الإقليمية والدولية منذ بداياتها؛ إذ مثّل التدخل العسكري الخارجي العامل الأساسي في إطاحة نظام العقيد معمر القذافي، عندما قامت قوات حلف شمال الأطلسي (الناتو) بمهاجمة معاقله مباشرة، بعد صدور قرار مجلس الأمن 1973 بذريعة “حماية المدنيين الليبيين”. وقد استندت الدول المتدخلة عسكريًا، وعلى رأسها فرنسا، في ليبيا إلى طلب المجلس الوطني الانتقالي باعتباره ممثلًا شرعيًا للشعب الليبي. وما إن تمت إطاحة القذافي حتى جرت أول انتخابات حرة ونزيهة في ليبيا لانتخاب مجلس وطني في 7 تموز/ يوليو 2012، أقبل عليها المواطنون الليبيون المتعطشون إلى ممارسة حقهم في التصويت والانتخاب بعد خمسة عقود من سيطرة الدولة الشمولية التي أسس أركانها القذافي. لكن الاقتتال الداخلي قاد إلى تعثر العملية السياسية في ليبيا بسبب مجموعة من العوامل الداخلية مثل فوضى السلاح، وانهيار مؤسسات الدولة، وانعدام الأمن، فضلًا عن عوامل خارجية مرتبطة بتعارض مصالح القوى الخارجية، خاصة خلال الفترة الانتقالية. فقد ساهمت هذه القوى في تقديم الدعم المالي والسياسي للفواعل السياسية المؤثرة في العملية السياسية الليبية بما يخدم مصالحها ويعظم نفوذها. وانتقلت أدوار القوى الخارجية إلى مستوى التدخل العسكري المباشر، على وجه التحديد إيطاليا وفرنسا، على نحوٍ فاقم حدة الأزمة التي باتت تمثّل تهديدًا أمنيًا لدول الاتحاد الأوروبي التي تعرّف أمنها القومي انطلاقًا من الجغرافيا الليبية.

 

 بناء عليه، فإن التحكم في حدود ليبيا الجنوبية والشمالية والسيطرة عليها أولوية بالنسبة إلى الأمن القومي لدول الاتحاد الأوروبي الذي سعى لوضع خطط عمل تهدف إلى ضبط السواحل الليبية التي تمثّل نقطة الانطلاق الأساسية لقوارب المهاجرين. وفي سبيل ذلك، تنسق دول الاتحاد مع مجموعة من الأجهزة والهيئات الأوروبية للحد من الهجرة غير القانونية، وتتبع شبكات الاتجار بالبشر؛ أهمها قوات الأوروفورس، وهي قوات برية وبحرية، إضافة إلى الوكالة الأوروبية لمراقبة الحدود الخارجية “فرونتكس”، وعملية صوفيا التي أطلقها الاتحاد الأوروبي في 22 حزيران/ يونيو 2015، للتصدي لظاهرة الهجرة غير الشرعية وتهريب البشر والجريمة المنظمة عبر الحدود، وكذا ضبط الحدود الجنوبية أمام تدفقات المهاجرين، وما يرتبط بها من تهديدات أمنية، فضلًا عن العمليات العسكرية والاستخباراتية التي تقوم بها روما وباريس انطلاقًا من الأراضي الليبية.

 

فرنسا والبحث عن نفوذ في ليبيا

تنامى الدور الفرنسي في ليبيا مع اندلاع ثورة 17 فبراير 2011؛ إذ كان الرئيس السابق نيكولا ساركوزي الأشد حماسة للمشاركة في الحملة العسكرية التي أنهت حكم العقيد معمر القذافي. وحاولت باريس جني المكاسب السياسية والاقتصادية من خلال زيادة نفوذها في الساحة الليبية ذات الموقع الجيوسياسي المهم والموارد الطبيعة الهائلة مقارنة بعدد السكان. واستمرت باريس ضمن المنظومة الأوروبية في تبني إستراتيجيات عمل في ليبيا قائمة على التوازن بين المصالح والخوف من الانزلاق في أتون الحرب الأهلية الليبية. ولكن باريس خرجت عن صمتها، بعدما تكبدت خسائر في صفوف جنودها في عام 2016[4]، وأعلن حينها الرئيس السابق، فرانسوا هولاند، مقتل ثلاثة جنود فرنسيين غرب بنغازي إثر تحطم مروحيتهم. ولا يختلف اثنان على أن غرض الوجود العسكري الفرنسي شرق ليبيا هو دعم قوات خليفة حفتر، فباريس منحازة انحيازًا تامًا لطرفٍ في المشهد السياسي الليبي، على الرغم من اعترافها الصريح بالاتفاق السياسي، وبحكومة فايز السراج في طرابلس باعتبارها الحكومة الشرعية في البلاد.

 

وازداد الاهتمام الفرنسي بالملف الليبي مع الرئيس إيمانويل ماكرون؛ فقد صرح وزير الخارجية الفرنسي، جان إيف لودريان، في حوار أجرته معه صحيفة لوموند الفرنسية، في حزيران/ يونيو 2017، أن ليبيا من أولويات الرئيس ماكرون[5]. وجرى عقد لقاء جمع فايز السراج وخليفة حفتر في باريس في 25 تموز/ يوليو 2017، برعاية ماكرون، كان يهدف إلى دفع العملية السياسية في ليبيا، وتزامن مع تولي الممثل الخاص الجديد للأمين العام للأمم المتحدة، غسان سلامة، مهماته، ما يعني رغبة باريس في فرض واقع جديد في المشهد السياسي الليبي، بحيث لا يستطيع المبعوث الدولي الجديد تجاوزه أو تجاهله، فتصبح فرنسا مفتاح الحل للأزمة السياسية.

 

أثار تحرك باريس المنفرد آنذاك غضب الساسة الإيطاليين الذين انتقدوا غياب بلادهم عن المشهد، ففرنسا لم تعْلمها بحيثيات اللقاء، ولكن أبلغتها به شخصيات مقربة من السراج وحفتر. ومثّل ذلك خيبة أمل لإيطاليا التي رأت في خطوات باريس احتكارًا لملف ليبيا ومحاولة لسحب البساط من تحت أقدام الساسة الإيطاليين، باعتبارهم أصحاب الجهد التنسيقي والدبلوماسي للقاطرة الأوروبية في ليبيا. جدير بالذكر أن ذلك اللقاء لم يأت بجديد، ولم يُحدث أي اختراقٍ في مسار الأزمة السياسية الليبية. وحينها، كان التحرّك الإيطالي في اتجاه تأكيد ضرورة التعامل مع حكومة الوفاق الوطني ودعمها، لأن روما منفتحة على الحوار مع الأطراف الليبية كلها، خصوصًا في مدينة مصراتة.

 

لكن فرنسا استمرت في البحث عن الأوراق التي تعظم نفوذها في ليبيا وفرض نفسها لاعبًا أساسيًا. فقد سعت إلى عقد لقاء يجمع أطراف الصراع في ليبيا، واعتبرت الفرصة مواتية في ظل نتائج الانتخابات البرلمانية الإيطالية، في آذار/ مارس 2018، التي أفضت إلى تشكيل حكومة من تحالف حزبَي الليغا (الرابطة) وخمس نجوم اللذين انتقدا السياسات الاقتصادية والاجتماعية لرئيس الحكومة السابق ماتيو رينزي، وإدارته السياسة الخارجية الإيطالية، لا سيما في الملف الليبي. وتدعو هذه الأحزاب إلى اتباع سياسات أكثر انفتاحًا على خليفة حفتر، باعتباره الفاعل الأشد تأثيرًا وقدرة على محاربة الهجرة غير الشرعية والحركات الإرهابية. كما يرى بعض قادة ائتلاف اليمين الإيطالي، وفي مقدمتهم، زعيم حزب الليغا، ماتيو سالفيني، أن سياسات موسكو في ليبيا وسورية أنجع من سياسات الاتحاد الأوروبي، ما يجعل توجهات الحكومة الإيطالية الجديدة التي يرأسها جوزيبي كونتي، أستاذ القانون الدولي في جامعة فلورنسا، غير واضحة الوجهة بشأن الأزمة في ليبيا وفق تقديرات الجانب الفرنسي. كما أن غياب إستراتيجية أميركية تجاه الأزمة الليبية وتعاملها بضبابية معها يعطي فرنسا أفضلية في التحكم في مسار الأزمة الليبية.

 

تولّى الرئيس ماكرون في سبيل ذلك تكليف أجهزة المخابرات الفرنسية، ووزير خارجيته لودريان، للتأثير في الأطراف الليبية، ودفعها إلى الاجتماع في باريس، وتوسيع الاتصالات لتشمل رئيس مجلس النواب الليبي، عقيلة صالح، والعقيد خليفة حفتر، ورئيس مجلس الدولة المنتخب، خالد المشري. ورأت روما، على لسان مصدر في الخارجية الإيطالية، أن مبادرات باريس خطوات استعراضية، ولن تحرز أي تقدم ملموس في العملية السياسية في ليبيا وتحقيق الاستقرار.

 

وتتويجًا لهذا التحرك الفرنسي، تم عقد مؤتمر في باريس في أيار/ مايو 2018 لبحث تطورات الأزمة الليبية برعاية ماكرون، وحضور الأطراف الأربعة الرئيسة الفاعلة في العملية السياسية الليبية، وهم: رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني فائز السراج، ورئيس مجلس الدولة خالد المشري، واللواء خليفة حفتر، ورئيس مجلس النواب عقيلة صالح، إضافة إلى ممثلين من عشرين دولة منهم دول الجوار الجغرافي (تونس، ومصر، والجزائر)، ودول فاعلة وذات تأثير في المشهد السياسي الداخلي الليبي (قطر، ومصر، والإمارات العربية المتحدة، والمملكة العربية السعودية، وتركيا)[6].

 

اتفق المجتمعون على ضرورة إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية في نهاية 2018، بإشراف المفوضية العليا للانتخابات وحكومة الوفاق الوطني. وسارع السفير الإيطالي في طرابلس، جوزيبي بيروني، إلى لقاء السراج بهدف فهم تحركات باريس هذه، وأكد أن بلاده تؤيد حكومة الوفاق ومبادرة غسان سلامة لحل الأزمة الليبية، ودعم المسار الديمقراطي الذي يفضي إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية، وفق الخطة التي أطلقها في 20 أيلول/ سبتمبر 2017. ويدل ذلك على عدم موافقة روما على مخرجات مؤتمر باريس التي تعتبرها محاولة فرنسية للالتفاف على دورها في ليبيا[7]. كما أن إيطاليا قادرة على تعطيل مخرجاته، خاصة أن الاتفاق لم يشمل الأطراف السياسية والعسكرية كافة، ولم يتم تنظيم انتخابات نهاية عام 2018 لصعوبة تحقيق ذلك من الناحية العملية في ظل فوضى السلاح وانهيار كامل لمؤسسات الدولة.

 

بناء عليه، تسعى باريس إلى الحفاظ على مصالحها الاقتصادية في أفريقيا عمومًا، وليبيا على وجه التحديد، من بوابة التحديات الإستراتيجية التي تواجه دورها على المستوى الدولي. ويعني ذلك أن لباريس توجهًا إستراتيجيًا نحو التدخل في الشأن الليبي، يأتي كجزءٍ من مراجعة شاملة تطّلبها الفكر الإستراتيجي الفرنسي المتجدّد للسياسات العسكرية والأمنية الفرنسية في الخارج. ويقضي هذا الفكر بظهور فرنسا بمظهر القوة الأوروبية الأكثر دينامية وقدرة على التحرك في ضوء التحولات التي يشهدها الاتحاد الأوروبي، وبناء شراكات أمنية وسياسية لحماية أمنها ومصالحها في دول الساحل الأفريقي. فقد استطاعت فرنسا أن تحافظ على علاقات عسكرية واقتصادية وثقافية مع مستعمراتها السابقة بالاعتماد على القوة العسكرية الدائمة واتفاقيات التعاون العسكري بين باريس وتلك الدول، ويصل الأمر أحيانًا إلى حد التدخل العسكري الفرنسي في حال حدوث أي تغيير ضد المصالح الفرنسية فيها. ومن هنا، يمثّل جنوب ليبيا الغني بالموارد الطبيعية نقطة ارتكاز أساسية في الإستراتيجية الفرنسية المعتمدة في جزء منها على قوات خليفة حفتر التي بدأت عملية عسكرية واسعة جنوب البلاد تحت أهداف محاربة عناصر تنظيم الدولة الإسلامية، وضبط الحدود، وضرب شبكات تجار البشر، وتأمين المنشآت النفطية، ومواجهة تدفق المهاجرين المتجهين شمالًا نحو شواطئ المتوسط. وقد دعت قوات حفتر الجماعات المسلحة في المنطقة المستهدفة – وأغلبهم مقاتلون قبليون – إلى الانسحاب من المنشآت المدنية والعسكرية[8]. ولكن ذلك يثير حفيظة صانع القرار في روما الذي يرى في ليبيا منطقة نفوذ تاريخية ومصدرًا قريبًا ومهمًا للطاقة. كما تمثّل التهديدات الأمنية المرتبطة بالهجرة غير القانونية محددًا أساسيًا في سياسة روما الخارجية تجاه ليبيا.

 

 روما ومحاولات استعادة الدور

استشعرت روما مبكرًا محاولات باريس تعظيم نفوذها في ليبيا منذ بدء العمليات العسكرية ضد نظام القذافي. وفي المقابل، تسعى روما إلى الحفاظ على نفوذها في ليبيا لأسباب تاريخية حيث كانت ليبيا مستعمرة إيطالية حتى استقلالها عام 1951، وأمنيّة بسبب قربها الجغرافي، وكذلك لارتباط أمن روما بأمن ليبيا. وهناك عوامل اقتصادية أيضًا حيث حافظت شركة إيني ENI للطاقة، الذراع الاقتصادية الإيطالية، على وجودها رغم الحصار والعقوبات الدولية التي فرضها المجتمع الدولي على نظام معمر القذافي.

 

وكان الحراك الدبلوماسي الإيطالي في أروقة الاتحاد الأوروبي مؤخرًا مكثفًا وذا فاعلية، ويهدف إلى انتزاع الدعم من دول الاتحاد باعتبار روما بمنزلة القاطرة الأوروبية في ليبيا، وللحد من زيادة نفوذ باريس خاصة في الجنوب الليبي الذي يعتبر البوابة الأساسية لفرنسا على دول الساحل الأفريقية. وجاء التحرك الإيطالي تحت مظلة اللجنة المشتركة الليبية – الإيطالية في روما، في أيلول/ سبتمبر 2017. ونتج من اجتماعات اللجنة اتفاق يقضي بتنفيذ مشروع إيطالي يموّله الاتحاد الأوروبي، على الحدود الجنوبية الليبية، ويتم بموجبه إرسال بعثة إيطالية لإقامة قواعد لوجستية للعمليات التنفيذية لحرس الحدود الليبي[9]. وبررت روما هذا التحرك بناء على معلومات استخباراتية، تفيد بأن مقاتلين أجانب يستعدون لسلوك طريق عسكرية، ولانتشارٍ فردي في أوروبا، مستغلين طرق الهجرة التي بقيت مفتوحة؛ فسياسات إدارة الحدود المعتمدة بين الدول الأفريقية وليبيا تسمح بنشاط مهربي البشر، ولا توجد قدرة لحكومة الوفاق الوطني على ضبط الحدود الجنوبية، ويصعب مراقبة الحدود التي يقع أغلبها في الصحراء بطول 4400 كيلومتر وتحاذي ست دول (تشاد، والنيجر، والسودان، والجزائر، وتونس، ومصر). كما أن المنطقة الجنوبية الغربية من ليبيا ذات إمكانات هائلة لضخ أكثر من 400 ألف برميل من النفط الخام يوميًا[10]، أضف إلى ذلك احتياطي كبير من الغاز الطبيعي يصدّر معظمه إلى إيطاليا من خلال أنبوب السيل الأخضر الذي يمر تحت الماء إلى صقلية؛ ما يجعل صناعة النفط محورية في إنعاش جنوب غرب ليبيا. لقد انقطع جلّ هذا الإنتاج على مدى العامين الماضيين لأن المجموعات المسلحة في الشمال أغلقت أنبوب النفط الخام الذي يربط الحقول بمحطات التصدير. وبناء عليه، فإن تقدم حفتر المدعوم فرنسيًا نحو تلك المنطقة يعني الاقتراب من منطقة نفوذ حيوية بالنسبة إلى إيطاليا التي تشجع خطوة مجلس الدولة بتعيين آمر عسكري للمنطقة الجنوبية، وذلك بعد أقل من أسبوعين من إعلان قوات حفتر إطلاق عملية عسكرية في منطقة الجنوب الغربي، ووصول قوات تابعة لها إلى مدينة سبها وإعلانها استلام مقارّ أمنية في المنطقة[11].

 

وتجدر الإشارة إلى أن روما خسرت حضورها الفاعل في المنطقة الأهم جيوسياسيًا، وهي منطقة الهلال النفطي، على خلفية سيطرة قوات خليفة حفتر عليها، وطرد قوات حرس المنشآت النفطية التي يقودها إبراهيم الجضران، مما دفع الحكومة الإيطالية الجديدة إلى أن تتبنّى خطة عمل جديدة في ليبيا واضحة ومحددة من خلال بوابة التنافس مع فرنسا في الساحة الليبية. وتقوم روما بموجب ذلك بانفتاح على القوى السياسية والعسكرية المحلية شرق البلاد وغربها، على عكس الحكومة السابقة التي رأسها ماتيو رينزي، حيث اقتصرت علاقاتها على دعم حكومة الوفاق الوطني، مع بناء علاقات سياسية وأمنية محدودة مع التشكيلات والقوى العسكرية في الشرق الليبي. لقد بدأت الحكومة الجديدة بناء جسور ثقةٍ مع الشرق الليبي، وتحديدًا مع العقيد خليفة حفتر؛ إذ قام مسؤولون إيطاليون بسلسلة زيارات، آخرها لقاء وزير الخارجية الإيطالي إينزو ميلانيزي بحفتر، واعتباره طرفًا لا غنى عنه، في التعامل مع الملف الليبي[12]. وأشار الوزير الإيطالي إلى أهمية دور رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني، فائز السراج، وإلى أنّه الطرف الأساسي والشرعي الذي تتعامل معه روما في ليبيا. وتسعى إيطاليا إلى بناء جسور الثقة مع القوى الإقليمية الفاعلة والمؤثرة في المشهد السياسي الليبي الداخلي والحؤول دون انفراد فرنسا بتلك القوى الإقليمية والضغط عليها لتحقيق مكاسب في الساحة الليبية، وفي مقدمتها القوتان الجارتان جغرافيًا لليبيا (الجزائر، ومصر). وبالتوازي مع ذلك، تعمل روما على الحصول على دعم الاتحاد الأوروبي ومؤسساته في التحرّك تجاه ليبيا، فقد أكدت الممثلة العليا للسياسة الخارجية الأوروبية، فيديريكا موغيريني، مشاركتها شخصيًا باسم الاتحاد الأوروبي في أعمال مؤتمر باليرمو، في تشرين الثاني/ نوفمبر 2018، بشأن ليبيا. كما أعلنت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل أنها تدعم المبادرات الإيطالية بشأن ليبيا أكثر من المبادرات الفرنسية[13]، وهو أمر يدل على تحفّظ ألمانيا على الدور الفرنسي المتنامي في ليبيا.

 

خاتمة

يتصف سلوك الوحدات الفاعلة في النظام الدولي بالتنافس، خاصة في الجانب الاقتصادي، نتيجة تناقض مصالحها، وهو ما ينطبق على دول الاتحاد الأوروبي، وعلى وجه التحديد إيطاليا وفرنسا. ويأتي ذلك على الرغم من تطور مسيرة التكامل بين دول الاتحاد الأوروبي وتطور التعاون والتنسيق بينها إلى حد الاتفاق على محددات سياسة خارجية. ويحتم تضارب المصالح السياسية والاقتصادية سيادة التنافس، إذ وصل ذلك مؤخرًا إلى حرب كلامية بين مسؤولي فرنسا وإيطاليا. ومثّل التنافس الإيطالي – الفرنسي في الساحة الليبية عاملًا مهمًا يسهم بفاعلية في عدم تحقيق أيّ تقدم في مسار العملية السياسية؛ ما يضع العملية السياسية في ليبيا أمام تحديات تغذّيها صراعات القوى الإقليمية وتناقض مصالحها وإستراتيجياتها، ويهدد الاستمرار تعزيز سيناريو انهيار الدولة الليبية.

 

المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات

شاهد أيضاً

حرب حفتر برعاية مصر والإمارات والسعودية

اكتملت صورة المشهد الليبي وهجوم اللواء خليفة حفتر على طرابلس، بزيارته أمس الأحد القاهرة ولقائه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.