الجمعة , 14 ديسمبر 2018
الرئيسية » تقدير موقف » طرابلس رهينة صراع المليشيات الليبية: خيارات مرّة أمام السراج

طرابلس رهينة صراع المليشيات الليبية: خيارات مرّة أمام السراج

من المرج، العاصمة العسكرية للواء الليبي خليفة حفتر، وطبرق، عاصمته السياسية، الواقعتين شرقاً، واللتين كانتا وسط الجدل السياسي الدائر حول مستقبل البلاد لأشهر عديدة، لا سيما المتعلق منها بالانتخابات التي تشكّل محل اهتمام دولي واسع، تحوّلت الأحداث بشكل سريع ومفاجئ إلى العاصمة طرابلس، التي تتنازعها المليشيات، فيما تبدو خيارات رئيس حكومة الوفاق فائز السراج، مُرّة ومحدودة وذات تكلفة سياسية وعسكرية كبيرة.

 

تهديد عسكري كبير

 

مطلع هذا الأسبوع، ظهرت بوادر احتراب في العاصمة طرابلس، وعلى الرغم من تكهّنات عدة كانت تشير إلى عدم وقوع أي اقتتال بسبب قوة المليشيات المسيطرة على العاصمة والتي تشكّل “كتائب ثوار طرابلس” ثقلها الرئيسي، إلا أن القتال اندلع سريعاً، وبشكل أسرع سيطرت قوات اللواء السابع الآتية من ترهونة، جنوب شرقي طرابلس، خلال أربع وعشرين ساعة، على رقعة واسعة تمتد من سوق الأحد وصولاً إلى أحياء عين زارة وصلاح الدين اللتين لا تفصلهما عن مقر حكومة الوفاق، المدعومة دولياً، سوى بضعة كيلومترات. واتضح سريعاً أن هذا التقدّم تهديد عسكري حقيقي، لم تستطع المليشيات الموالية للحكومة صدّه إلا بعد أن وحّدت قواها، لتنجح في الحد من تقدّم المهاجمين، من دون طردهم، فيما تجددت الاشتباكات أمس الأربعاء بعد هدوء نسبي يوم الثلاثاء.

 

ويُعتبر اللواء السابع من أقوى المجموعات العسكرية في المناطق المتاخمة للعاصمة طرابلس، وتقع أغلب معسكراته في مدينة ترهونة (110 كيلومترات جنوب شرقي العاصمة)، وسوق الأحد، الواقع بين المدينتين، لكنه زاد من رقعة سيطرته منذ الأحد الماضي ليضم مناطق قصر بن غشير وأجزاء من صلاح الدين وخلة الفرجان وعين زارة. ويتألف اللواء في معظمه من مقاتلي ترهونة، بالإضافة إلى فصائل من ألوية وكتائب من النظام السابق، كاللواء المعزز والفوج السابع، وهي كتائب لا تزال بقيادة ضابط من النظام السابق. ويُعتبر محمد الكاني، وهو مدني من الثوار السابقين في المدينة، وإخوته، من أبرز قادة اللواء السابع، ولذا يُعرف هذا اللواء محلياً باسم “الكانيات”. وسبق للواء أن اشتبك مع “كتائب ثوار طرابلس” في مناسبات سابقة، إلا أنه فشل في التقدّم باتجاه العاصمة. وكانت حكومة الوفاق قد شرعنت هذا اللواء كإحدى القوات التابعة لوزارة دفاعها، إلا أنها تؤكد أنها تخلّت عنه في الآونة الأخيرة، بعد اقتحامه منطقة قصر بن غشير، ولا يُعرف حالياً لمن يدين بولائه.

 

على الجهة الأخرى، حاولت “كتائب ثوار طرابلس” وحلفاؤها التصدي للواء السابع. ويقود هذه الكتائب، الملازم هيثم التاجوري، ويتبع وزارة داخلية حكومة الوفاق، وتُعتبر مناطق سيطرته شرق العاصمة وجنوب شرقها، في تماس مع اللواء السابع. إلا أن حرب الكتائب الأخيرة مع اللواء، جعلت كتائب أخرى تابعة لحكومة الوفاق تساندها، ومنها الكتيبة 301 التي كانت تسيطر على مطار طرابلس القديم، وقوة الردع الموجودة في قاعدة معيتيقة، وقوة النواصي، والأمن المركزي في أبي سليم، وكلها مجموعات مسلحة تعتمد عليها الحكومة في تأمين العاصمة وتتقاسم النفوذ في الأماكن التي تعسكر فيها.

 

عودة قوات “الإنقاذ”؟

 

وسط أجواء التوتر في العاصمة الليبية، جاءت الإطلالة المفاجئة للقيادي البارز في قوات “فجر ليبيا”، العقيد صلاح بادي، في فيديو انتشر بشكل كبير على وسائل التواصل الاجتماعي، وأظهر إمكانية دخول قوات حكومة الإنقاذ على الخط، وعودة ظهيرها السياسي المتمثّل في المؤتمر الوطني العام إلى واجهة المشهد مجدداً. بادي، قائد “لواء الصمود” الذي اعتُبر في وقت سابق العمود الفقري لعملية “فجر ليبيا” منذ أواخر عام 2014، إلى أن تمكّنت مليشيات طرابلس بإيعاز من حكومة الوفاق، من طرده نهائياً من طرابلس في مارس/آذار من العام الماضي، توعّد في كلمته المرئية “المفسدين”، لكنه لم يشر إلى فائز السراج وحكومته، غير أنه في الوقت نفسه أكد أن قواته في طريق العودة إلى طرابلس، وأنه سبقها بالوصول إليها.

 

وتؤكد تدوينات نشطاء واكبوا انتشار كلمة بادي على مواقع التواصل الاجتماعي، أنه كان يتحدث من تاجوراء في ضيافة “كتيبة الرحبة”، التي لم تخف استمرار ولائها لحكومة الإنقاذ، وتحت سلطتها داهمت في يناير/كانون الثاني الماضي قاعدة معيتيقة، المحاذية لمقر حكومة الوفاق في قاعدة بوستة، واحتلت أجزاء منها. وتتخذ “كتيبة الرحبة”، التي يقودها بشير خلف الله، من أجزاء من تاجوراء مراكز لها، ويواليها أغلب سكان المنطقة، إذ إن أغلب مقاتليها منهم.

 

هذا الأمر يثير أسئلة عن إمكانية ولاء اللواء السابع لحكومة الإنقاذ، أو على الأقل تغيير ولائه بعد تنكّر حكومة الوفاق له، وإلا فما الداعي لظهور بادي في الوقت الذي أحرزت قوات اللواء السابع تقدّماً مفاجئاً وكبيراً داخل العاصمة؟ ويشير الفيديو الذي ظهر فيه بادي، إلى التحاق قوته المعروفة بـ”لواء الصمود” بمعسكرات “كتيبة الرحبة”، ما يجعلهما عنصراً جديداً في خارطة الصراع الحالية، على الرغم من عدم دخولهما في القتال المستعر منذ الإثنين الماضي. لكن تهديدات بادي قد تنذر بدخول هذا الفصيل الجديد أي معركة محتملة، مما قد يفتح الباب أيضاً أمام التحاق كتائب أخرى توالي حكومة الإنقاذ وكانت قد أُجبرت على الخروج من طرابلس سابقاً، ليبقى بذلك أمن العاصمة الليبية رهينة لصراع المليشيات.

 

موقف حكومي مرتبك

 

أبرزت الأحداث المتسارعة في طرابلس، خلال المواجهات وبعدها، شكلاً جديداً من الغموض في العاصمة، إذ بدت مواقف الحكومة مرتبكة وغير متسقة. فبعد أن أبرزت القوة المهاجمة لطرابلس (اللواء السابع)، تبعيّتها لوزارة دفاع حكومة الوفاق، من خلال مراسلات تحمل شعار الحكومة وفيديوهات تظهر رئيس الحرس الرئاسي لحكومة الوفاق اللواء نحمي الناكوع، في زيارة لمقرات وقيادات اللواء السابع، نفى الأخير هذا الأمر، مؤكداً أن قراراً أصدره في ما بعد حل بموجبه اللواء من دون أن يعلن عنه رسمياً.

 

في موازاة ذلك، أعلنت وزارة داخلية حكومة الوفاق، ليل الأحد الماضي، عن توصلها إلى هدنة أعقبها اتفاق بين الطرفين لوقف إطلاق النار وتكليف مديرية أمن طرابلس بتسلّم المواقع العسكرية التي سيطر عليها اللواء السابع، لكن المديرية نفت في بيان صباح الثلاثاء، عقد اتفاق والتوصل إلى هدنة، مؤكدة أنها تخوض حرباً ضد اللواء السابع لاستعادة المقرات العسكرية.

 

وحتى البيان الذي أصدره فائز السراج، غلب عليه التعميم، وعدم تحديد موقفه من المليشيات المتصارعة، والموالية له من المعادية، بل جرّم، في بيانه مساء الأحد، التصعيد العسكري بشكل عام، معتبراً أن الحرب تدور بسبب “العصابات الخارجة عن القانون والمتسبّبة في ترويع المواطنين الآمنين”. ومما زاد من غموض موقف السراج من تلك المليشيات، ظهوره صباح الإثنين في اجتماع مع رؤساء الأجهزة الأمنية التابعة لوزارتي الداخلية والدفاع، مقدّماً شكره لها، بحسب مكتبه الإعلامي، ودعمه جهودها في استعادة أمن العاصمة، من دون أن يسمي الكتائب المسيطرة على طرابلس باسمها، كما هي عادته في الأحداث السابقة، لا سيما أثناء اقتحام مليشيات “الرحبة” قاعدة معيتيقة في يناير/كانون الثاني الماضي، عندما أكد تبعية كتائب “قوة الردع” وثوار طرابلس وبوسليم لحكومته.

 

وكانت مصادر مقربة من المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق، قد كشفت نهاية الأسبوع الماضي، لـ”العربي الجديد”، عن تحضيرات لإطلاق السراج خطة أمنية “بهدف الحد من سيطرة المليشيات المسلحة على العاصمة”. وجاءت هذه التسريبات عقب بيان للبعثة الأممية في البلاد أواخر الأسبوع الماضي، هددت فيه مليشيات طرابلس بـ”فرض عقوبات” بالتعاون مع السلطات المختصة، بسبب تهديد وتدخّل تلك المليشيات في أعمال المؤسسات السيادية الليبية، داعية السراج إلى ضرورة “مقاضاة ومحاسبة المسؤولين عن انتهاكات المليشيات”. وبحسب المصادر ذاتها، فإن المستهدف الأول من خطة السراج المرتقبة، هو مليشيا “ثوار طرابلس” و”النواصي”، اللتان تورطتا في إرغام مسؤولين في المؤسسة الليبية للاستثمار على توقيع عقود بالملايين لصالحهما.

 

ويفتح إعلان رئيس الحرس الرئاسي، نجمي الناكوع، المعروف بقربه من السراج، الثلاثاء عن تخليه عن اللواء السابع، الباب على مصراعيه أمام إمكانية تنكّر حكومة الوفاق لتلك المليشيات (أي اللواء السابع)، التي هددها، السراج في بيانه مساء الأحد بأن “يد العدالة والعقوبات الدولية بحسب قرارات مجلس الأمن الدولي” ستطاولها، وهو أول تهديد من نوعه يصدر عنه لتلك القوى التي كان في وقت سابق قد أوكل لها مهمة حفظ أمن العاصمة عبر شرعنتها من قبل وزارتي الداخلية والدفاع، وكلّفها بطرد قوات حكومة الإنقاذ التابعة للمؤتمر الوطني السابق في مارس/آذار من العام الماضي.

 

لكن السؤال الذي قد يبرز في هذا التوقيت، هو: من سيكون البديل من تلك التشكيلات المسلحة، التي باتت تسيطر على كل شيء في طرابلس؟ وما هي الآليات والإجراءات التي يمكن للسراج أن يتّبعها لضمها إلى مؤسسات الدولة الشرطية والعسكرية، أو حلّها والاستحواذ على أسلحتها؟ أم أنه سيستعيض عن كل ذلك بالأمم المتحدة وقوات تابعة لها، بالإضافة إلى حرسه الرئاسي الذي بدا في الآونة الأخيرة يمتلك بعض الفرق الأمنية النظامية؟

 

العربي الجديد

شاهد أيضاً

بعد أحداث طرابلس… تفاصيل خطوة السرّاج المقبلة لـ”مشهد ليبي جديد” بدعمٍ دولي

تستمر حكومة الوفاق الليبية، التي يرأسها فايز السرّاج، في تنفيذ خطط مرسومة من المجتمع الدولي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.