الجمعة , 15 نوفمبر 2019
الرئيسية » تقارير » ليبيا: محاولات لتقسيم المؤسسات تستبق الحوار الليبي-الليبي

ليبيا: محاولات لتقسيم المؤسسات تستبق الحوار الليبي-الليبي

لم يكن تحذير المستشارة الألمانية إنغيلا ميركل من أن الحريق المشتعل في ليبيا قد ينتقل إلى بلدان افريقية أخرى، نوعا من الرجم بالغيب، وإنما هو مبنيٌ على معلومات وتوقعات بأن منطقة الساحل والصحراء ستغدو مفرخة للتنظيمات الإرهابية. وهذا ما يُفسر أيضا عودة الأمريكيين إلى الاهتمام بالمنطقة، وتكثيف دورهم العسكري في جنوب ليبيا، في سياق ما يُسمى “الحرب على الإرهاب”. وأكدت مصادر مختلفة أن الطيران الأمريكي قتل ما لا يقل عن خمسين مسلحا من تنظيم “داعش” وأصاب عدة أهداف تابعة للتنظيم، في ضربات جوية نفذتها القيادة الأمريكية في افريقيا (أفريكوم) خلال الأسابيع الأخيرة. ويؤكد اللجوء إلى الضربات الجوية أن أمريكا مازالت تتفادى أي حضور ميداني مدني أو عسكري في ليبيا، منذ مقتل سفيرها السابق كريستوفر ستيفنس في مدينة بنغازي العام 2012.

من هذا المنطلق اشتغلت السياسة الأمريكية على محورين أولهما المُضيُ في الضربات الجوية ضد أهداف غالبيتها في جنوب ليبيا، وهي تعتبرها جزءا من حربها الشاملة على الإرهاب. ورفعت “أفريكوم” بقيادة الجنرال وليم غايلر قائد عمليات القيادة العسكرية الأمريكية في افريقيا، من وتيرة عملياتها منذ 19 سبتمبر (أيلول) الماضي، والتي يعتبرها الخبراء العسكريون الأعنف ضد تنظيم “داعش” منذ صعود ترامب إلى سدة الرئاسة. وبات ظهور طائرات أمريكية من دون طيار في الأجواء الليبية أمرا مألوفا، إذ أنها تقوم بمهام مراقبة تمهيدا لتوجيه ضربات إلى أهداف محددة، بعد إدراج 12 تشكيلا مسلحا في غرب ليبيا، ومجموعات أخرى في الجنوب، على لائحة “الأهداف المعرقلة لقيام دولة في ليبيا”، والتي “يجب القضاء عليها”. وفي هذا الإطار اعتقلت قوات أمريكية خاصة، قبل أربع سنوات، أحمد أبو ختالة، مسؤول جماعة “أنصار الشريعة الإسلامية” في بنغازي، التي يعتقد الأمريكيون أنها شنت الهجوم الدامي على المجمع الدبلوماسي الأمريكي في بنغازي يوم 11 أيلول/سبتمبر العام 2012. وبعد ذلك اعتقلت مصطفى الإمام لدوره المفترض في تلك الهجمات.

أما محور الاهتمام الثاني لدى الأمريكيين فهو تشجيع المبادرة الألمانية، وحض الأطراف المختلفة، وخاصة من يُصنفون في خانة “أصدقاء أمريكا” من الليبيين، على التفاعل الإيجابي مع المبادرة الألمانية، من أجل وضع حد للصراع بين حكومة الوفاق الوطني في الغرب (المعترف بها دوليا) والبرلمان في الشرق (المعترف به دوليا أيضا). ويعتقد الأمريكيون أن استمرار الحرب الأهلية في ليبيا أوجد مناخا مناسبا للجماعات المسلحة المنسحبة من العراق وسوريا، للجوء إلى الجنوب الليبي، والتوسع باتجاه الجنوب نحو منطقة الساحل والصحراء. وسيكون من الصعب ملاحقة تلك الجماعات في فضاء شاسع تعادل مساحته سبعة ملايين كلم مربع، ويفوق عدد سكانه 140 مليون نسمة، يتحدرون من أعراق ومكونات قومية واثنية مختلفة. وفي السياق يتخوف الليبيون من أن تكون العملية التركية الحالية في شمال سوريا غطاء لفتح معبر لعناصر الجماعات المسلحة المحاصرة هناك، تمهيدا لنقلهم إلى ليبيا.

وتشكل بلدان الساحل العشرة حاضنة مثالية للحركات المصنفة إرهابية، ولشبكات التهريب وتجارة السلاح، فعلى الرغم من امتلاكها ثروات طبيعية وفيرة، من معادن ومصادر طاقة ويورانيوم، تُعتبر من أفقر البلدان في العالم واقتصاداتها الرعوية من أشد الاقتصادات تقليدية وشبابها المُحطم لقمة سائغة للتيارات المتشددة.

مفتاح الساحل

من هذه الزاوية يعتبر الألمان أن إعادة الاستقرار إلى ليبيا هو مفتاح السيطرة على الوضع في منطقة الساحل، واستطرادا يُعدُ الحل الأنجع لإجلاء عناصر الجماعات المسلحة منها، كي لا تقتنص الفرصة المناسبة للزحف شمالا، نحو السواحل الجنوبية لأوروبا، وتهديد الاستقرار في دول مثل ألمانيا وإيطاليا وفرنسا. هكذا يصبح الحل السياسي في ليبيا ضرورة اقليمية، لا بل دولية، وهو ما عبرت عنه المستشارة ميركل حين حذرت من أن إطالة الأزمة في ليبيا ستجعل شظاياها تنتقل إلى بلدان افريقية أخرى.

مع ذلك ما زالت الجهود الرامية لعقد المؤتمر الجامع، في قسمه الخاص بالحوار الليبي الليبي، في الداخل، متعثرا، مثلما يقول رئيس المؤتمر محمد العباني. والمُلاحظ أن العباني ليس على قلب رجل واحد مع أعضاء حكومة الوفاق الوطني. وهذا أحد المُعوقات التي تعطل السير قدما نحو المؤتمر الجامع، بالإضافة لضرورة توضيح دور رؤساء القبائل، التي ما زال لها نفوذ اجتماعي واسع، خاصة في المنطقة الشرقية، وكذلك دور المؤسسة العسكرية، التي تعاني من اختلالات كبيرة، مردُها إلى أن الجيش الليبي لم يُبن على عقيدة عسكرية حرفية، ولذلك رأينا كيف أن العسكريين ورجال المخابرات يخرجون في مظاهرات احتجاج، وكيف يتبنى هؤلاء المطالب الفئوية والجهوية، وحتى العرقية أحيانا. كما أن الخلافات السياسية عرقلت بناء مؤسسة عسكرية حديثة، بعد الاطاحة بنظام العقيد معمر القذافي.

بقدر ما تطفو على السطح المطالب الاثنية لدى بعض الفئات، أسوة بالتبو في الجنوب، تتبلور هوية مضادة لدى الطرف المقابل، وهو ما تُجسده الدعوة الحالية للعودة إلى الإطار المغاربي، في طرابلس كما في بنغازي، والتشديد على أن هذا الفضاء هو الذي يستحق الاستثمار فيه سياسيا واقتصاديا.

في المقابل تستخدم قوى دولية ورقة الأقليات للتأثير في المسارات المستقبلية للأزمة الليبية، وهو ما فعلته فرنسا من خلال التوقيع الاثنين الماضي، في غياب كامل لممثلي حكومة الوفاق الليبية، صاحبة الأولوية في هكذا مبادرة، على ستة اتفاقات للتعاون العسكري مع تشاد، تنص على دعم الحرس المتنقل على صعيد المنطقة الصحراوية، الممتدة على طول الحدود بين ليبيا والسودان. وترمي الاتفاقات بحسب الفرنسيين والتشاديين، إلى “مطاردة الجماعات المتمردة وعصابات التنقيب عن الذهب” لكن كيف يمكن أن يتم ذلك في ظل تغييب شامل للطرف الليبي صاحب الأرض؟

يقضي أحد محاور الاتفاقات بتعزيز دور الحرس المتنقل، باعتباره المكلف بضمان أمن المنطقة الصحراوية الشاسعة على امتداد حدود ليبيا مع السودان، وهي منطقة تشكل مسرحا لنشاط الجماعات التشادية المتمردة، وعمال المناجم الذين يستخرجون المعادن، وخاصة الذهب، بصورة غير شرعية. كما ترمي الاتفاقات إلى تحديث قوات الأمن التشادية وتدريب عناصرها خلال السنوات الثلاث المقبلة، بالإضافة لتقديم مساعدة مباشرة للحكومة التشادية، فضلا عن دعم القوات المشتركة لدول الساحل الخمس، التي ساعدت فرنسا على تشكيلها، والتي يُعتبر تشاد أحد مُكوناتها الرئيسة.

إنقاذ النظام

وتُدافع باريس عن الرئيس التشادي ادريس ديبي، وتدخلت أكثر من مرة لإنقاذ نظامه من ضربات المعارضة، وأفشلت محاولة انقلابية استهدفته، كما تقصف طائرات فرنسية أرتال السيارات المسلحة، التي تحاول العبور من ليبيا إلى تشاد. ويُعزى حرص الفرنسيين على وضع مثل هذه الترتيبات، إلى اهتمامهم بالتطورات المحتملة للملفين النفطي والغازي في ليبيا مستقبلا، في ظل استمرار المنافسة الحادة بين مجموعة “توتال” الفرنسية و”إيني” الايطالية. وتحتاج ليبيا بحسب خبراء إلى إبرام عقود مع مجموعات دولية، للحصول على استثمارات وخبرات فنية في إطار خطة لمضاعفة إنتاجها من النفط في أفق 2023، والذي لا يتجاوز حاليا 1.1 مليون برميل في اليوم.

وحسب معلومات موثوقة تسعى شركات غربية كبرى إلى السيطرة على حقلي الشرارة والفيل، وهما من الحقول الكبرى في الهلال النفطي. وفي الوقت نفسه، تحاول أطراف ليبية مدعومة من فرنسا تقسيم “المؤسسة الوطنية للنفط” (قطاع عام) بإحداث مقر ثان لها في بنغازي، ما يُسهل أن يكون هذا المقر طرفا في صفقات مستقبلية. غير أن بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، ردت بقوة على تلك الدعوات، إذ أكدت في بيان أن المؤسسة الوطنية للنفط في طرابلس هي المؤسسة السيادية الوحيدة المسؤولة عن إدارة نفط البلد، “بما في ذلك تصدير واستيراد النفط والوقود، بموجب القانون الدولي والوطني”. وحذرت من أن أية محاولات لتقسيم مهام المؤسسة يهدد عائدات البلد النفطية، وبالتالي مصالح جميع الليبيين. أكثر من ذلك هددت البعثة المسؤولين عن تلك المحاولات بعقوبات، “وفقا لقرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بهذا الخصوص” على ما ورد في البيان. وفي إشارة إلى تكاثر عمليات بيع النفط في السوق السوداء والالتفاف على “المؤسسة الوطنية للنفط” أشارت البعثة في بيانها إلى أنها “ستقوم بإبلاغ لجنة الخبراء ولجنة العقوبات التابعتين للأمم المتحدة ومجلس الأمن عن أية انتهاكات يشتبه في وقوعها”، اعتبارا إلى أن “نفط ليبيا ومواردها الطبيعية ملك للشعب الليبي، ويتوجب عدم استخدامهما أداة في حرب تحت أي ظرف من الظروف”.

قُصارى القول إن مؤسسة النفط هي إبرة الميزان في ليبيا، وتقسيمها سيكون ضربة الفأس الأولى في وحدة الكيان الليبي، إذ عليها ينهض التكامل بين الأقاليم السابقة الثلاث، وبها تتصل وحدة المؤسسات السيادية الأخرى، وخاصة المصرف المركزي، الذي جرت محاولات عدة في الآونة الأخيرة لتقسيمه هو الآخر. ولا يمكن إحباط كل هذه المشاريع إلا إذا ما تحقق انفراج على الصعيد السياسي، يفتح الباب للحوار الليبي-الليبي، الكفيل وحدهُ بقطع الطريق أمام مشاريع التقسيم، بكافة أشكالها، ووضع الأزمة على سكة الحل السياسي.

القدس العربي

شاهد أيضاً

“الوفاق” الليبية: الجنائية الدولية تحقق بجرائم حفتر بالبلاد

أكدت المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية، فاتو بنسودة، لوزير خارجية حكومة الوفاق الليبية، محمد الطاهر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.