الأربعاء , 19 ديسمبر 2018
الرئيسية » تقارير » تقرير دولي يرصد تنامي أنشطة التهريب والابتزاز في ليبيا خلال السنوات الماضية

تقرير دولي يرصد تنامي أنشطة التهريب والابتزاز في ليبيا خلال السنوات الماضية

كشف المعهد الملكي للشؤون الدولية في بريطانيا عن نمو أنشطة التهريب والابتزاز في ليبيا ليشكل ما وصفه بتطور “اقتصاد الحرب” في البلاد.

وبحسب تقرير نشره المعهد تسببت الحرب خلال سبع سنوات في نمو القطاع، وأدتً إلى تغير تركيب قطاعات التهريب بشكل كبير لاسيما في ظل انتشار المجموعات المسلحة والمليشيات والأسلحة، والانقسام السياسي، خاصة وأن هذا التطور أدى إلى إبعاد كثير من الفاعلين القدامى ودخول لاعبين جدد.

بعد ثورة فبراير

وقال المعهد، في تقريره إن قطاع التهريب شهد تحولا كبيرا منذ 2011. ففي السابق، سيطر معمر القذافي على أنشطة التهريب، وسمح فقط لبعض العائلات والقبائل المقربة منه بالمشاركة، في إطار سياسة انتهجها نظامه، إلا أن سقوط القذافي سمح بفتح المنافسة بين تلك المجموعات للسيطرة على مسارات التهريب.

وأوضح التقرير الدولي وجود ثلاثة نماذج تسيطر على اقتصاد الحرب من خلال سلسلة من الأنشطة غير القانونية التي تمارس بهدف نهب الدولة والربح من الفوضى، وهي البيع المباشر للبضائع والسلع عبر التهريب، وتوليد الإيجارات والابتزاز، ونهب موارد الدولة، حيث تمارَس هذه الأنشطة بشكل متداخل.

ولم يتغير المشاركون والفاعلون في أنشطة التهريب فقط، بل تطورت مسارات التهريب في الصحراء من مسارات للتجارة غير الرسمية للبضائع المهربة إلى قنوات لتهريب الأسلحة والوقود والمخدرات والبشر.

وأصبح تهريب البضائع المدعومة، مثل الوقود والأرز، جزءًا حيويًّا من الحياة الاقتصادية للمجتمعات على طول الشريط الحدودي، وأكد المعهد البريطاني أن غياب سلطة الدولة سمح بتوسع مساحة أنشطة التهريب، وتحولت تلك الأنشطة إلى “صناعة” من حيث مستوى التكامل والتنظيم.

وبالنظر إلى تطور أعمال المهربين والوضع الأمني في البلاد ظهرت سوق تطورت بشكل سريع أطلق عليها التقرير اسم سوق حماية المهربين، ويعمل الناشطون في هذا المجال في خدمة المجموعات المسلحة الباحثة عن الحماية واستئجار مجموعات لهذا الغرض، حيث يتورط المتعاملون في هذه السوق بشكل مباشر في التهريب.

وقسم التقرير أنشطة التهريب إلى ثلاثة أقسام رئيسية هي تهريب الوقود وتهريب البشر وتهريب الأسلحة والمواد المخدرة، حيث اتسع نطاق عمليات تهريب الوقود والمنتجات المكررة من ليبيا داخليًا و خارجيا، وقسم تهريب الوقود إلى ثلاث فئات، عبر الحدود برًا وفيه يجري تهريب كميات صغيرة من الوقود، والتهريب عبر البحر للشحنات الكبيرة من الديزل، والفئة الثالثة هي تحويل مسار إمدادات الوقود داخل ليبيا نفسها ثم بيعه في السوق السوداء بأسعار أعلى من الأسعار الرسمية.

طرق جديدة

وقال التقرير إن طرقا جديدة للتهريب عبر البحر ظهرت بما يسمح للمنتجات المكررة بدخول أسواق الوقود العالمية. وهو ما برز خلال التحقيق مع فهمي خليفة المسيطر على أكبر شبكات التهريب في ليبيا، حيث كشفت تحقيقات إيطالية مع خليفة في أغسطس 2017، أنه تسبب في تهريب وقود ديزل بقيمة 35 مليون دولار وصل محطات الوقود في إيطاليا وغيرها من الدول.

وأوضح أن المهربين ينقلون الوقود إلى تونس في شحنات صغيرة حيث تقوم مجموعات المهربين بشراء المنتجات المكررة بالأسعار المدعومة محليًا داخل ليبيا ثم بيعها بسعر أعلى فور عبور الحدود مع تونس، ويُباع لتر الوقود في تونس بسعر 75 سنتا بينما يبلغ سعره 11 سنتا في ليبيا.

وكشف التقرير أن نماذج موسعة لتوزيع النفط مباشرة من مصافي التكرير والموانئ والمخازن، ترتبط بشكل وثيق مع “اقتصاد الحرب”، وتتطلب وصولًا جيدًا لأسواق الحماية في ليبيا والشبكات الإجرامية الدولية. والأوراق المزورة، التي تسمح لشاحنات النقل بتفريغ الوقود ثم بيعه في محطات وقود غير رسمية وغير مسجلة، بدلًا من نقله إلى المحطات الرسمية المسجلة.

وأعلنت المؤسسة الوطنية للنفط من خلال تحقيق، نهاية العام الماضي، أن 87 محطة وقود مسلجة لا تعمل وتصلها إمدادات ثابتة من الوقود، من أصل 105محطات شملها التحقيق.

كما جرى تحويل مسارات عدد من شاحنات نقل الوقود، لاسيما في الجنوب مع تكرر حوادث اختطاف الشاحنات، ما دفع مؤسسة النفط لإرسال مجموعات مسلحة لحماية الشاحنات.

وبحسب تقرير مجموعة الخبراء الأممية يجري تحويل مسار الشاحنات إلى خارج ليبيا أحيانا، حيث قامت مجموعات من إقليم دارفور السوداني بالتربح من تحويل مسار شاحنات الوقود لبيع الوقود داخل الإقليم.

وأشار المعهد البريطاني إلى ارتفاع واردات المنتجات المكررة بنسبة 65% منذ العام 2012، بتكلفة وصلت إلى 2.9 مليار دولار في 2016، لكنها قفزت إلى 5 مليار دولار في 2017. وكان مكتب التحقيقات التابع للنائب العام الليبي قال بداية العام الماضي إن تهريب الوقود كلف ليبيا قرابة خمسة مليارات دينار ليبي (3.6 مليارات دولار) دون توضيح الفترة الزمنية.

وأشار المعهد إلى أن تقارير مسربة كشفت أن الدولة الليبية حصلت على 15% فقط من الدخل المتوقع من ضرائب منتجات النفط المكررة الموزعة، وذلك في الفترة بين يناير ونوفمبر 2017. وكان ديوان المحاسبة الليبي قال سابقًا إن 30% من الوقود المدعوم يتم تهريبه، ما يعني خسارة 1.8 مليار دولار سنويًا على مدار الأعوام الخمسة السابقة.

نشاط مربح

وقدر المعهد البريطاني أرباح تهريب المهاجرين بقرابة مليار دولار ، وأشار إلى وجود مسارين للتهريب في شمال وجنوب ليبيا، مشيرًا إلى أنه من “الأنشطة غير الشرعية الأكثر ربحًا في البلاد”، حيث قدرت نسبة أرباح الهجرة غير الشرعية بـ3.4% من إجمالي الناتج المحلي لليبيا الذي قُدر بـ29 مليار دولارا في 2015.

وتبلغ حصة شبكات التهريب في المنطقة الجنوبية 726.3 مليون دولار، في حين تبلغ أرباح عبور البحر المتوسط بـ251.4 مليون دولار.

وارتفعت أعداد المهاجرين إلى 163 ألفًا في 2016 مقابل 15 ألف مهاجر في 2012، حسب الإحصائيات.

واتهم المعهد الملكي للشؤون الدولية نظام القذافي بالسماح بتهريب البشر عبر البحر المتوسط في نطاق محدود بهدف تحفيز المجموعات الصغيرة للاستمرار في ولائها للنظام، وممارسة نوع من النفوذ السياسي أمام أوروبا.

إلا أن انهيار الضوابط التي وضعها القذافي بعد 2011، تسبب في تسجيل زيادة ملحوظة في أعداد المهاجرين وزيادة في أنشطة تهريب البشر منذ .

وبحسب التقرير فإن التركيز الدولي على تقليل تدفقات المهاجرين من ليبيا خلق سوقًا جديدًا لأنشطة مكافحة الهجرة،واستند كاتب التقرير إلى تحليلات دولية.

وأشار التقرير إلى أن احتمالية ارتفاع أعداد المهاجرين الساعين للوصول إلى أوروبا مجددًا، في حال عدم التوصل إلى ترتيبات دائمة بين المجموعات المسلحة والأطراف المحلية والدولية، وحذر الحكومة من حل المشاكل عن طريق دفع الأموال، أو إدماج المجموعات الخارجة عن القانون في الدولة.

تداعيات الانقسام

وتحدث التقرير عن الانقسام الذي تعاني منه المؤسسات الليبية، والذي يؤدي إلى مزيد من التعقيد في الأزمة الحالية ويفرض تحديات على الحلول المقترحة، وخلص إلى أن الانقسام بين شرق وغرب ليبيا يعقد العملية السياسية وإدارة القطاع النفطي.

وقال التقرير إن القائد العام لعملية الكرامة خليفة حفتر يملك أجندة مختلفة لتوليد الاستثمار،لاسيما وأنه فرض سلطته على الأعمال العامة والاستثمار حيث أن للجيش الليبي أعمالا واستثمارات تدر دخلًا مثل سيطرته على منشآت لتفريغ الحاويات وتخزينها في ميناء بنغازي.

وسلط التقرير الضوء على أنشطة التهريب الأخرى التي تضمنت تهريب الأسلحة والمخدرات، لكنه قال إن تهريب تلك المواد محكوم أكثر من تهريب البشر والوقود، وهي منحصرة على المجموعات المسلحة.

ومن أبرز المجموعات المتورطة في تهريب الأسلحة من ليبيا هي مجموعات من إقليم دارفور السوداني، التي تعمل على نقل الأسلحة الثقيلة من مضادات للدبابات وللطائرات من ليبيا إلى دارفور.

ونوه التقرير إلى تراجع معدلات تهريب الأسلحة الليبية إلى الخارج، لكنه قال إن ذلك تزامن مع زيادة الطلب المحلي على الأسلحة منذ العام 2014، مع تفاقم الصراع المحلي، وأصبح سوق الذخيرة من الأسواق أكثر المواد طلبًا.

ولفت التقرير إلى ندرة المعلومات المتوافرة حول حجم أسواق تهريب المخدرات، مما يجعل من الصعب تعقب حركتها، لكن جرى تعقب بعض شحنات المخدرات.

الخطف والابتزاز

وتحدث التقرير عن وجه آخر لاقتصاد الحرب في ليبيا، وهو أنشطة الابتزاز وقال إن المجموعات المسلحة رغم عدم تورطها بشكل مباشر في أعمال التهريب، إلا أنها جنت أرباحًا طائلة من فرض ضرائب على البضائع المارة في الأراضي الواقعة تحت سيطرتها، وعبر السيطرة على نقاط العبور، والتصدير والاستيراد ومنشآت البنية التحتية للنفط والغاز.

وقال إن غياب سلطة موحدة للدولة، والانقسام والانسداد السياسي، أدى إلى تدهور الوضع الأمني وانهيار نظام القانون، وزيادة معدلات الجريمة، ومعدلات الابتزاز والخطف. وتوفر البيئة الحالية فرصًا للمجموعات المسلحة لممارسة الابتزاز وفرض رسوم وضرائب في المناطق الواقعة تحت سيطرتهم. وتندرج تلك الأنشطة في إطار الحماية.

ومن أبرز أشكال الابتزاز عمليات الخطف مقابل الفدية. ففي الفترة بين فبراير 2014 إلى أبريل 2015، تم توثيق اختفاء 600 شخص. في 2017، اختفى 676 شخصًا في طرابلس وحدها، عاد منهم 100 فقط.

وفي بعض الأحيان، ترتبط عمليات الخطف بخلافات سياسية وقبلية وعائلية وإثنية. ولا تفرق عمليات الخطف بين الأشخاص، بل استهدفت سياسيين ورجال أعمال وأفرادًا عاديين، وغالبًا ما تكون الأعمال والمشاريع الخاصة ضحية عمليات الخطف والابتزاز.

المواجهة

اقترح المعهد البريطاني 5 حلول لمواجهة قتصاد الحرب محذرًا من انهيار محتمل للدولة نتيجة هذا النوع من الاقتصاد الذي انتشر في ليبيا عبر شبكة مصالح مترابطة.

وتضمنت هذه المقترحات كشف الأطراف الرئيسية في اقتصاد الحرب، وتقديم فرص اقتصادية بديلة حقيقية للمشاركين والمستفيدين منه، بالإضافة إلى بذل جهود أكبر وأكثر فاعلية لتقليل هوامش الربح من المخططات غير المشروعة، ومن بين المقترحات الأخرى التي أوصي بها المعهد «تقديم مزيد من الدعم للجهود الليبية في مواجهة اقتصاد الحرب»، موضحًا أهمية «استهداف الأصول الخارجية للجماعات الإجرامية، ودعم زيادة الشفافية بشأن توزيع أموال الدولة».

وحذر المعهد الملكي للشؤون الدولية من وجود بيئة مواتية لشبكات الجماعات المسلحة والشبكات الإجرامية ورجال الأعمال الفاسدين والنخب السياسية، مشيرًا إلى أن ليبيا تعاني من أزمات سياسية وأمنية واقتصادية مترابطة تضعف مؤسسات الدولة وتدمر اقتصادها وتيسر استمرار وجود الجماعات المسلحة من غير الدول.

وأوضح استمرار السلطات المتنافسة في التنافس على السلطة ، فإن التشرذم والاختلال الناتج من ذلك قد وفر بيئة خصبة لتطوير اقتصاد حرب واسع الانتشار يعتمد على العنف.

شاهد أيضاً

المؤتمر الوطني الجامع: تشاؤم ليبي وتفاؤل دولي

يبقى الاستعصاء سمة الأزمة الليبية في ظل التناقضات المحلية والقبلية والمناطقية والخارجية التي تتنازع الملف …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.