السبت , 24 أغسطس 2019
الرئيسية » ترجمات » هل يمكن إنهاء الحرب الأهلية الليبية؟

هل يمكن إنهاء الحرب الأهلية الليبية؟

موقع لوب لوغ الأمريكي

الكاتب: جورجيو كافييرو

في منتصف سنة 2014، اندلعت الحرب الأهلية الليبية التي تعتبر الأكثر تعقيدًا في العالم؛ حيث تتصارع القوات المتحالفة مع حكومة الوفاق الوطني الهشة في طرابلس والمعترف بها دوليًا مع القوات الموالية لمجلس النواب العلماني في طبرق. وإلى جانب هذا الانقسام الرئيسي في السلطة بين طرابلس وطبرق، تعاني ليبيا من تدفّق القوى المتطرفة على غرار تنظيم الدولة، والحرب الأهلية، ناهيك عن الديناميكيات القبلية المعقّدة في منطقة فزان جنوب ليبيا التي لا تخضع غالبا إلى القانون.

من وجهة نظر الدول الأوروبية والدول المجاورة لليبيا، يطرح استمرار هذه الأزمة تحديات أمنية لا تحصى ولا تعد. وعلى الرغم من أن العديد من الأطراف المحلية والأجنبية الفاعلة في الحرب الأهلية الليبية تملك دافعا لحل هذا الصراع بشكل سلمي، إلا أن الأزمة لا تزال محتدمة. وقد أعاقت بعض الدول الخارجية آفاق المصالحة الوطنية في ليبيا سعيا وراء تحقيق مصالحها الجيوسياسية والأيديولوجية. ومن الضروري التصدي للدول الإقليمية التي ترعى وكلاءها المتواجدين في هذا البلد المغاربي الذي مزقته الحرب حتى يتسنّى للمجتمع الدولي مساعدة الليبيين بشكل مسؤول على إرساء السلام والاستقرار بشكل دائم.

إرث الديكتاتور

 

تساعد طبيعة حكم معمر القذافي، الذي امتدّ طوال 42 سنة، في توضيح العديد من المشكلات التي لا يزال الليبيون يكافحون للتغلب عليها بعد مرور ثماني سنوات على الإطاحة بالنظام الحاكم. لقد أطاحت ثورة 2011 بصانع القرار الوحيد في البلاد، الذي شكلت مؤسساته ليبيا لعقود من الزمن وحددت كيفية تخصيص الثروة النفطية وعملية إعادة توزيعها. إن الديكتاتور، الذي تعرّض للقتل، خلّف وراءه دولة خالية من أي مظاهر المجتمع المدني أو أي نظام يحمي الحقوق السياسية الفردية والحريات المدنية.

بعد سقوط نظام القذافي، عجّت ليبيا بالأسلحة في ظل وجود مجموعات كبيرة مصرّة على الثأر ومصممة على تسوية حساباتها القديمة. وفي خضم الاضطرابات الفوضوية التي أعقبت الثورة، لم يحدث انتقال ديمقراطي في البلاد. خلافا لذلك، كان الهيكل الأمني الجديد الذي وقع تشكيله بعد إسقاط نظام القذافي متصدّعا للغاية ولا مركزيًا. لقد احتلت الانقسامات العرقية واللغوية والإيديولوجية والجغرافية والقبلية في البلاد الصدارة دون التوصل إلى تحقيق هوية وطنية ليبية قوية توحد الليبيين. وقد شكّلت هذه الديناميكيات المشهد المحلّي للبلاد مما أعاق ظهور أي مؤسسات وطنية فعالة منذ ثورة 2011.

مع انقسام ليبيا بعد سقوط القذافي، باتت الدول الغربية (الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا) التي لعبت دورًا رئيسيًا في تدمير النظام تشعر بالإحباط  جرّاء عدم وجود أي تقدم ديمقراطي، لذلك صرفت انتباهها لاحقا عن هذا البلد. من جهة أخرى، انخرطت الدول الإقليمية بدورها في المشهد السياسي الليبي بشكل متزايد، حيث صممت دول على غرار ليبيا وتركيا ودول الخليج العربي على تعزيز مكانة وكلائها في ليبيا عبر الروابط الجغرافية والأيديولوجية.

لقد عكس الصراع الليبي والطرق التي انخرطت بها دول المنطقة في الحرب الأهلية الانقسام العميق في العالم الإسلامي السني. فمن جهة، ساندت مجموعة من الدول المعادية لجماعة الإخوان المسلمين (مصر والسعودية والإمارات العربية المتحدة) الجيش الوطني الليبي الموالي لمجلس النواب الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر. من جهة أخرى، دعمت كل من قطر وتركيا والسودان مختلف الفصائل الإسلامية في ليبيا، بما في ذلك الميليشيات المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين في مدينة مصراتة. وقد ساهم التنافس بين هاتين الكتلتين داخل العالم الإسلامي السني في اندلاع الحرب الأهلية الليبية سنة 2014 وحدوث التشعّبات التي لحقت بالبلاد فيما بعد.

القتال من أجل فزان

 

خلال شهر كانون الثاني/ يناير من سنة 2019، شنت قوات الجيش الوطني الليبي هجومًا واسع النطاق بحجة مكافحة الإرهاب في منطقة فزان للاستيلاء على إنتاج النفط المحلي. كما يعمل الجيش الوطني الليبي تحت قيادة حفتر على توسيع الأراضي الخاضعة له لمزيد إضعاف سلطة الحكومة التي تتخذ من طرابلس مقرًا لها.

بعثت عمليات الجيش الوطني الليبي في فزان في بداية سنة 2019 رسالة إلى طرابلس حول القوة التي تتمتع بها قوات حفتر وعزمها على تعزيز النفوذ السياسي والعسكري في طبرق، لا سيما في المناطق الغنية بالنفط في ليبيا المتنازع عليها، على غرار منشأة الشرارة النفطية التي استولى عليها الجيش الوطني الليبي في التاسع من شباط/ فبراير. ونتيجة لهجوم حفتر على فزان، تسيطر قواته حاليًا على ثلثي ليبيا وجميع حقول النفط الساحلية تقريبًا.

أدانت حكومة الوفاق الوطني الإجراءات التي اتخذتها قوات حفتر جنوب ليبيا ووصفتها بالممارسات الإرهابية، داعية الأمم المتحدة إلى إصدار إدانة مماثلة. وتؤثر هذه المعركة من أجل فرض السيطرة على منطقة فزان على العلاقات المعقدة بين مختلف الجماعات العرقية والقبلية في الجنوب. وقد تمكن السكان الأصليون لقبائل التبو والطوارق، التي تتقاتل فيما بينها منذ سنة 2014، من التغلب على المظالم التي تعرضوا لها في الماضي لتتحد ضد حفتر.

في سنة 2016، تفكّك تحالف مجموعة التبو مع الحكومة، التي تتخذ من مدينة طبرق مقرًا لها، بسبب التحيز المزعوم لمجلس النواب الليبي لصالح العرب على حساب غير العرب بما في ذلك التبو. كما أن تحالف حفتر مع قبيلة أولاد سليمان (خصم من الخصوم العرب لقبيلة التبو)، قد جعل من زعماء قبائل التبو أكثر وعيا بأن نظرة حفتر تعد بمثابة التهديد الذي يجب مواجهته بالتعاون مع الطوارق.

بينما تسعى القوات المسلحة الليبية إلى تعزيز سيطرتها على فزان، ستوضع الجبهة المناهضة لحفتر والمكونة من التبو والطوارق تحت الاختبار. وفي حال نجحت قوات التبو والطوارق في الظهور كقوة عسكرية نافذة داخل منطقة فزان، من المرجح أنها ستؤثر بشدة على البنية الأمنية المستقبلية لليبيا في فزان.

الحاجة الملحة لاستراتيجية سلام

 

حاولت الأمم المتحدة دفع الليبيين نحو التوصل إلى تسويات تساهم في بناء المؤسسات التي تمثّل مختلف شرائح المجتمع في البلاد. ولتنجح عملية الأمم المتحدة بقيادة غسان سلامة، فإنه يجب على الأطراف الدولية والإقليمية التي ترعى مختلف الأطراف الفاعلة في الحرب الأهلية الليبية أن تُعلم عملاءها بأن مقاطعة هذه العملية ليست خيارًا.

لن يكون هذا الأمر سهلًا، إذ لا يمكن وضع حد للحرب الأهلية إلا في حال توصّلت مختلف الجهات الفاعلة إلى اتفاق حول بنية أمنية مشتركة، وتشكيل حكومة، فضلا عن إحداث إصلاحات اقتصادية، وتحديد المواقع الجغرافية للمؤسسات الوطنية الكبرى. ومن أجل إضفاء الشرعية على مثل هذه الإصلاحات والمؤسسات من خلال استفتاءات شعبية، يجدر بمختلف الجهات الفاعلة في ليبيا تقبّل الحصيلة النهائية بغض النظر عن النتائج. في الحقيقة، لا يمكن تحقيق هذه النتائج المرتقبة دون تدخل مباشر إلا في حال قلّصت الأطراف الأجنبية من دعمها لقوى الرفض في ليبيا.

من الناحية العملية، يستدعي هذا الوضع اتخاذ إجراءات مرخصة من طرف الأمم المتحدة بهدف وقف صادرات النفط غير القانونية. وخلال السنة الماضية، كشفت صحيفة “وول ستريت جورنال” عن خوض كل من الإمارات وحفتر محادثات سرية من أجل تسهيل صادرات النفط الليبية خارج القنوات التي حدّدتها الأمم المتحدة. ومن المحتمل أن يؤدي الإخفاق في تطبيق إجراءات الأمم المتحدة إلى تعريض ليبيا إلى تهديدات أشد خطورة، تتمثل في تعزيز الانشقاقات وتصاعد أعمال العنف في إطار السعي للسيطرة على الموارد الطبيعية.

في أواخر الشهر الماضي، التقى رئيس حكومة الوفاق الوطني فايز السراج بحفتر في أبوظبي، من أجل إجراء محادثات تهدف إلى التوصّل لتسوية بشأن الحرب الأهلية الليبية. وقد وُجّهت الدعوة من طرف محمد بن زايد، الحاكم الفعلي لدولة الإمارات العربية المتحدة. وقد وافق كل من السراج وحفتر على إجراء انتخابات تضع حدا للمرحلة الانتقالية في ليبيا، وتساهم في بناء مؤسسات وطنية قوية وموحدة، قادرة على إرساء السلام والأمن في البلاد.

لقد سبق أن التقى الطرفان في العديد من المناسبات، كان آخرها في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر سنة 2018 في باليرمو، وقبل ذلك في أبو ظبي في أيار/ مايو سنة 2017. ويعكس الفشل في إحراز أي تقدم خلال الشهر الماضي في العاصمة الإماراتية مدى عمق المأزق الحالي.

ستكون التضحيات التي يجب على الليبيين تقديمها قصد تشكيل حكومة شرعية قاسية بعض الشيء؛ لاسيما في ظل الجشع والمظالم والعداء الذي يحرّض مختلف الفصائل الليبية ضد بعضها البعض. ومن المؤكد أنه بإمكان المسؤولين في أبوظبي وأنقرة والقاهرة والدوحة والخرطوم والرياض المساهمة في تشجيع الليبيين على تجاوز طريقة تفكيرهم الحالية، عن طريق قطع الدعم عن العناصر التي ترفض تقديم تنازلات. 

للأسف، قد يقوم مؤيدو دولة حفتر العربية بالعكس، من خلال تشجيعه أكثر على خلفية المكاسب الأخيرة التي حققها الجيش الوطني الليبي في فزان. ومن المرجح أن حفتر بصدد التخطيط لهجوم بقيادة الجيش الوطني الليبي بهدف السيطرة على طرابلس. وقد يحثه مؤتمر باليرمو الذي انعقد في تشرين الثاني/ نوفمبر سنة 2018 على التمادي خاصة حين اعتبره زعيما إيطاليا وفرنسا رئيسا لدولة ليبيا بحكم الأمر الواقع. ويشتبه أولئك الذين يؤيدون فكرة السيطرة المدنية على الجيش في أن حفتر قد يواصل الاعتراض على مدنية المؤسسات السياسية والعسكرية والأمنية الليبية، قصد إرساء حكومة ديكتاتورية تابعة له.

من غير الواقعي أن نتوقع من مختلف الجهات الفاعلة الليبية أن تتخلى عن طموحاتها السياسية. وكي تنجو البلاد من الحرب الأهلية، ستضطر الجهات الإقليمية الفاعلة  للعب هذا الدور التقييدي.

شاهد أيضاً

موقع بريطاني: الإمارات تدفع بـقوات “حميدتي” لدعم “حفتر” في ليبيا عبر عميل إسرائيلي سابق

كشف موقع “ميدل إيست آي” الإخباري البريطاني أن نحو ألف من أفراد قوات الدعم السريع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.