الأربعاء , 21 نوفمبر 2018
الرئيسية » ترجمات » هل يمكن للفصائل المتناحرة في ليبيا أن تتوصل لاتفاق فيما بينها؟

هل يمكن للفصائل المتناحرة في ليبيا أن تتوصل لاتفاق فيما بينها؟

صحيفة تايمز البريطانية

 

على الرغم من اتفاق الخصمين الرئيسيين على وقف إطلاق النار والحاجة إلى إجراء الانتخابات، إلا أنه لا أحد من الأطراف سواء داخل ليبيا أو خارجها، يمتلك خطة موثوقة لإعادة إعمار البلاد، وفقا لما كتبه ريتشارد سبنسر.

عندما اقتحم المسلحون مقر المؤسسة الوطنية للنفط الليبية يوم الاثنين، كان من الممكن أن يكون التعرف على المذنب بمثابة قصة بوليسية، تماما مثل الحالة الفوضوية التي تشهدها البلاد، التي تضم عددا من المشتبه بهم. وفي حادثة منفصلة وقعت خلال الشهر الجاري، تحولت طرابلس إلى أرض للنزاع بين ثلاث مليشيات، حيث تعرضت اثنتان منها موالية لما يمكن اعتباره حكومة، لهجوم من قبل ميلشيا ثالثة قادمة من الجنوب، وهو ما راح ضحيته العشرات من القتلى.

في الأثناء، تمتلك حكومة الوفاق الوطني، عدوا منفصلا يحكم شرق البلاد، ألا وهو الجنرال المعادي للإسلاميين، خليفة حفتر، و”جيشه الوطني الليبي”. وقد كان الطرفان قد اتفقا على وقف إطلاق النار، بيد أنهما ما انفكا يختلفان على مدار السنة حول من يستفيد من عائدات المؤسسة الوطنية للنفط. من جانب آخر، تضم البلاد مجموعة متنوعة من فروع تنظيم القاعدة، خاصة في الصحراء الليبية جنوبا التي يغيب عنها تطبيق القانون، التي ربما رغبت في إثبات حضورها من خلال شن هجوم على مقر المؤسسة الوطنية للنفط في طرابلس هذا الأسبوع.

عموما، كانت طريقة عمل تنظيم الدولة، وهو عبارة عن عدد قليل من المسلحين الذين يحاولون التسبب في أكبر حجم من الأضرار قبل أن يُقتلوا دون أي محاولة للهروب، واضحة لدرجة تجعل تجاهلها أمرا صعبا. وبالفعل، أعلنت المجموعة مسؤوليتها عن الهجوم ليلة الثلاثاء. وليس من المفاجئ أن ينشط تنظيم الدولة في بلد هش ومقسم مثل ليبيا، على الرغم من أن محاولته إقامة ولايته الإقليمية هناك، وهو إقليم تابع لخلافة أبو بكر البغدادي المتمركزة في الرقة، تم القضاء عليها بدعم جوي أمريكي.

أما الأمر الأكثر إثارة للدهشة فيتمثل في غياب أي خطة معقولة من قبل الأطراف الخارجية من أجل إعادة البلاد مجددا على مسار الوحدة، وذلك بالنظر إلى الدور الذي لعبته هذه الأطراف في إزاحة حكومة العقيد القذافي قبل سبع سنوات. في المقابل، يظهر حل رسمي، يشمل دعم الأمم المتحدة لحكومة الوفاق الوطني، ويتمثل في إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية وهو ما وافق عليه كل من الجنرال حفتر والحكومة. مع ذلك، يؤمن عدد قليل من القوى الغربية والخليجية المتورطة في المعضلة الليبية، أن حكومة الوفاق الوطني هي حكومة حقيقية أو أن فرص نجاح الانتخابات مرتفعة.

وبشكل منفصل، تستضيف مؤسسة خيرية تُدعى “مؤسسة برازافيل” يرأسها مفاوض سلام محنك يُدعى جان إيف أوليفييه، جولة ثانية من محادثات السلام بهدف إفساح المجال أمام الليبيين كي يتوصلوا إلى وضع خطتهم الخاصة بهم في ظل غياب التزام أجنبي مُقنع. لكن، لا يستطيع القادة الخليجيون والغرب الاتفاق فيما بينهم. فبالنسبة لممالك الخليج، لا تعد ليبيا سوى مسرح آخر حيث يمكنهم استعراض الأزمات الواقعة بينهم، وصراعهم حول دور الإسلام في السياسة، في الوقت الذي تدعم فيه الإمارات جانبا واحدا متمثلا في حفتر وتدعم قطر حكومة طرابلس.

وفي الوقت الراهن، حتى أقرب الحلفاء الأوروبيون بدؤوا بالتهاوي، حيث أثار القتال في طرابلس هذا الشهر موجة من الامتعاض المكبوت في إيطاليا الموجهة بشكل كامل نحو الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، في نزاع وصفه البعض بأنه أكثر من مجرد صراع غرور.

الفصائل في ليبيا

حكومة الوفاق الوطني

برئاسة فايز السراج، تم تأسيس الحكومة من قبل الأمم المتحدة وذلك للجمع بين البرلمان المعترف به من قبل الأمم المتحدة، الذي يقع مقره شرق البلاد، وبين المؤتمر الوطني العام، وهو السلطة الحاكمة سابقا في طرابلس. ويشكو البرلمان من افتقاره للشرعية الانتخابية واعتماده على مليشيات غير منظمة.

الجيش الوطني الليبي       

أطلق عليه هذا الاسم لأنه مدعوم من قبل البرلمان شرق البلاد، وهو خاضع لقائده، الجنرال خليفة حفتر، الذي يعتبر ضابطا سابقا في عهد القذافي، كان قد فر إلى الولايات المتحدة الأمريكية وعاد من منفاه بعد الثورة. وهو مدعوم من قبل الإمارات ومصر.

مليشيات طرابلس ومصراتة

تتنافس تشكيلة محيرة من المليشيات، المحلية والإسلامية، من أجل فرض سيطرتها على المدينتين الرئيسيتين غرب ليبيا. وتدين أقوى هذه المليشيات بالولاء لحكومة الوفاق الوطني، إلا أنها متهمة بتمويل نفسها عن طريق الابتزاز. وقد تم تحدّيها من قبل ميليشيا من الضاحية الجنوبية تدعى “اللواء السابع”.

القبائل

خارج المدن الرئيسية، تفرض الكتائب الإقليمية، والقبلية غالبا، سيطرتها. وفي جنوب البلاد، كانت هناك معارك بين هذه الكتائب فيما بينها وضد قوى متنافسة تتمثل في مجموعات الأقلية العرقية، لا سيما  قبيلتي التبو والطوارق.

الجهاديون

تم طرد تنظيم الدولة من معقله في سرت، بيد أنه لا زال يحتفظ بخلايا نائمة. في الواقع، لا زال فصيل من الإسلاميين المتشددين، لهم صلات بتنظيم القاعدة، يتمركزون في وسط مدينة درنة شرق البلاد، في حين تتجول مجموعات أخرى تابعة لتنظيم القاعدة في الصحراء والأراضي الحدودية مع الجزائر والنيجر.

تكمن خلفية جميع النزاعات في المليشيات غير الرسمية التي تم تشكيلها على عجل، والتي، بفضل مساعدة القوات الجوية الغربية والخليجية، أطاحت بالعقيد القذافي في سنة 2011. وكانت المليشيات تمثل المقطع العرضي المعتاد للسكان العرب في عصرنا الحالي، حيث أن البعض منها علماني، والبعض الآخر إسلامي، وهناك السلفي والجهادي. وقد كان العديد منها يضم الشباب الساخطين مع القليل من الإيديولوجية، ولكنهم ممتنون لفرصة محاربة النظام والمرتبات القليلة.

كانت المملكة المتحدة وفرنسا تقدمان الدعم الجوي والبري من خلال القوات الخاصة، ولكنهما رفضتا بيع الأسلحة. في المقابل، كانتا مسرورتين بأن حليفتهما الخليجية الغنية قطر تفعل ذلك، دون أن تدركا سوى بعد فوات الأوان أن الصلة الوثيقة التي تجمع بين قطر والإخوان المسلمين، تعني أن الميليشيات المتطرفة سوف تهيمن على مناطق من البلاد.

بعد الحرب، أصبحت القوة الفاعلة في البلاد بين يدي مجموعة من الميليشيات المحلية التي تفرض سيطرتها على المدن، والجماعات الإسلامية التي كانت درجات تطرفها متفاوتة. أما القوى الخارجية فكانت تدعم الميليشيات المفضلة لديها، من خلال اللجوء بكل بساطة إلى الحكم عليها بناء على مدى مواءمة أيديولوجيتها مع الإخوان المسلمين. ولم يحاول أي طرف نزع سلاح هذه الميليشيات، لأنهم كانوا يعتبرون هذه الخطوة غير عملية، وبدلا من ذلك كانوا يسعون إلى خلق “التوازن” والحد من مستوى العنف من خلال المفاوضات.

لكن الجنرال خلفية حفتر، الذي أمضى السنوات الأخيرة في محاربة الجماعات الجهادية والإسلامية شرقي ليبيا، لا يوافق على مثل هذه التسوية. ومثلما هو الحال مع كل من مصر والإمارات العربية المتحدة، فإن اتخاذه لهذا الموقف يجعله نظريا حليفا مرحبا به بالنسبة للغرب، لولا عدم استعداده لتقديم أي شكل من التنازلات أو الديمقراطية، وتصوير فيديو لأحد ملازميه بينما كان بصدد إطلاق النار على الرهائن.

في خضم هذه الفوضى، كانت الأمم المتحدة من أوائل المتدخلين في الأزمة الليبية، حيث كانت تأمل أن تتمكن من بناء مؤسسات دولة تخضع لسلطة حكومة الوفاق الوطني وتكون بمثابة قوة مقابلة للميليشيات، وتتفاوض مع الجنرال حفتر. وفي حين غابت بوادر نجاح هذه المؤسسات في إعادة النظام والاستقرار للبلاد، واصل الجنرال حفتر التهديد بمهاجمة العاصمة طرابلس، ما يمكن أن يتسبب في اندلاع حرب جديدة ستكون عواقبها وخيمة وتجلب المزيد من الدمار والموت للبلاد لدرجة لم يشهد لها أحد مثيل.

في نفس الوقت، تدخل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وهناك العديد من الأسباب التي تفسر إصراره المفاجئ في وقت مبكر من هذه السنة على التدخل في الشأن الليبي. وهو قرار نابع من إحساسه بالمسؤولية تجاه الدور الذي لعبته فرنسا في قيادة التحالف العسكري الذي أطاح بالقذافي سنة 2011. ويبدو أن الرئيس الفرنسي مدفوع بالرغبة في إيجاد ذرائع جديدة لتبرير مطامعه الإمبريالية، وإعادة إحياء مجد فرنسا وجعلها “قوة عظمى” مرة أخرى؛ في إطار حملته الهادفة إلى تعزيز صفوف القوى الوسطية التي تتبنى مبدأ الأممية ضد القادة الأوربيين الذين ينسجون على خطى ترامب ويشاركونه سياسته الانعزالية. وربما يتمثل دافع ماكرون الوحيد للتدخل في الشأن الليبي، بكل بساطة، في حماية مصالح عملاق النفط الفرنسي، شركة توتال.

 لقد تمكن ماكرون من جعل كل من الجنرال خليفة حفتر ورئيس حكومة الوفاق الوطني فايز السراج يجلسان إلى طاولة المفاوضات، خلال شهر أيار/ مايو، وأقنعهما بالموافقة على إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية في شهر كانون الأول/ ديسمبر. ولكن تدخل ماكرون في الشأن الليبي أثار حفيظة إيطاليا، القوة الاستعمارية التي كانت ليبيا في مضى واحدة من مستعمراتها، ذلك أن روما تعتقد أنها على دراية بما يحدث في ليبيا أكثر من أي طرف آخر. وسواء اعتقدت إيطاليا حقا أن الوقت لا يزال مبكرا لإجراء انتخابات، وهو الموقف الذي تتبناه الحكومة الجديدة الآن، فهي الآن متشبثة بهذه الحجة بعد اندلاع أعمال العنف مؤخرا.

يبدو أن الانتخابات شجعت الميليشيات، وخاصة تلك التي حرمت من نصيبها من الغنائم بعد سيطرة الحكومة في طرابلس على المؤسسة الوطنية للنفط، على لعب ورقتها قبل حلول يوم الاقتراع. وحيال هذا الشأن، قال نائب رئيس الوزراء الإيطالي اليميني المتطرف، ماتيو سالفيني، في إشارة إلى فرنسا ورئيسها ماكرون: “إن أكثر ما يثير مخاوفي هو أن يضع أحدهم الأمن في شمال أفريقيا وأوروبا على المحك، لدوافع اقتصادية ولمجرد تحقيق مصالح بلاده الأنانية”.

وعلى الرغم من أن الحكومة الإيطالية تبدو حليفا طبيعيا للجنرال خليفة حفتر، إلا أن الأمل الوحيد أمامها للحد من عدد قوارب المهاجرين التي تتوجه نحو سواحلها عبر البحر الأبيض المتوسط انطلاقا من ليبيا، بيد يدي حكومة الوفاق الوطني. يطغى عليها الهدوء النسبي على الأجواء في طرابلس، ومع ذلك هناك أصوات تنادي بتأجيل موعد الانتخابات، لاسيما أنه لم يتم الاتفاق بعد على كيفية تنظيمها وتأمينها، ناهيك عن أنه لا يوجد إلى حد الآن أي مقترح بديل بشأن كيفية توحيد صفوف جميع الأطراف المتناحرة في ليبيا.

وفي تقرير صدر خلال الأسبوع الماضي عن مؤسسة المجلس الأطلسي، التي تتخذ من واشنطن مقرا لها، فإنه “لا يمكن تحقيق السلام في بلد تنتشر فيه ما لا يقل عن 20 مليون قطعة سلاح لنحو ستة ملايين مواطن. وفي ظل الوضع الحالي، فإن برنامج نزع السلاح والتسريح من الخدمة وإعادة الإدماج لم يعد ممكنا”. وبدلا من ذلك، يقترح التقرير أنه على القوى الخارجية التي أقحمت نفسها في ليبيا، وهي مصر والإمارات العربية المتحدة وتركيا وقطر وفرنسا وإيطاليا، أن تلتفت إلى شؤونها الخاصة.

وفي هذا التقرير تأكيد على أن “السلوك الذي مازالت تنتهجه هذه القوى الأجنبية يتسبب في المزيد من الضرر لليبيا. ولا يمكن أن تُخاض معركة تخليص ليبيا من أزمتها الحالية إلا في العواصم الأجنبية، من خلال حمايتها من التدخل الخارجي، وعندها فقط سيتمكن الليبيون من إيجاد حل”.

شاهد أيضاً

كيف للوحدات التابعة لشركة فاغنر الروسية أن تساعد المشير حفتر؟

الصحيفة: نيزافيسمايا الروسية الكاتب: فلاديمير موخين انتهى المؤتمر الدولي الذي احتضنته مدينة باليرمو في 12 …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.