الأربعاء , 21 أغسطس 2019
الرئيسية » ترجمات » في ليبيا، متطوعون يحاربون الجريمة في مدينة يغيب فيها القانون

في ليبيا، متطوعون يحاربون الجريمة في مدينة يغيب فيها القانون

الكاتبة: نادين دهان

موقع ميدل إيست آي البريطاني

 

تحارب مجموعة من المتطوعين في مدينة زوارة الواقعة أقصى غرب ليبيا الجرائم التي تقع في المدينة منذ خمس سنوات، لملء الفراغ الذي خلفته الثورة في السلطة.

دفعت مجموعة من الرجال الملثمين الذين كانوا يرتدون ملابس سوداء بالكامل رجلين ليركبا على متن شاحنة صغيرة وقد كانوا يصرخون في وجهيهما قائلين: “هيا، هيا، هيا”. منذ خمس سنوات، تعمل وحدة مكافحة الجريمة ذاتية التنظيم، التي تتخذ من مستودع معزول مقرا لها، على القبض على المجرمين من تجار المخدرات ومهربي البشر في هذه المدينة الساحلية التي تُركت لتتدبر أمورها بنفسها بعد انهيار الدولة.

وبينما دُفع أحد الرجلين إلى داخل الشاحنة، خضع الآخر للتفتيش من قبل أحد الملثمين التابع للجان الأمن الأهلية، وقد ضبطت كميات كبيرة من القنب الهندي بحوزتهما لذلك نُقلا إلى المستودع المهجور الذي تستخدمه هذه المجموعة كسجن مؤقت. وتعد هذه العملية واحدة من عشرات المداهمات التي تنفذها لجان الأنن الأهلية. ومنذ شروعهم في القيام بدوريات في المدينة سنة 2013، تمكن أعضاء هذه الوحدة من حجز كميات كبيرة من المخدرات والأسلحة وغيرها من السلع المهربة.

تُعرف مدينة زوارة الساحلية الليبية بشواطئها النظيفة ومجتمعها المتماسك. وتحيط بهذه المدينة الأمازيغية الوحيدة العديد من القرى العربية التي لازالت خاضعة لهيمنة الموالين لمعمر القذافي. وقبل انتفاضة سنة 2011، كانت زوارة مدينة آمنة وخالية من الجريمة، إلا أن الأمور تدهورت منذ ذلك الحين.

عقب الثورة، استفاد مهربو البشر من غياب القوانين في البلاد، فحولوا الشواطئ الهادئة إلى نقطة مغادرة للعديد من زوارق المهاجرين المتجهة نحو أوروبا. وبين ليلة وضحاها، أصبحت جثث المهاجرين واللاجئين مشهدا مألوفا على الرمال البيضاء التي تشتهر بها شواطئ هذه المدينة. وفي الوقت نفسه، أدى عدم الاستقرار إلى معاناة البلاد من صعوبات اقتصادية جمة، ما اضطر العديد من شباب المدينة إلى العمل في تهريب الوقود والبنزين عبر الحدود المتاخمة لتونس لكسب قوت يومهم.

على الرغم من معارضة السكان لأنشطة مهربي البشر، إلا أن قوات الأمن المحلية لم تكن لديها القدرة على إيقافهم. وكثيراً ما يتجنب ضباط الشرطة المحلية التدخل في مثل هذا النوع من الأنشطة المشبوهة خوفا من رد فعل المهربين. ومع ارتفاع معدلات الجريمة، شعرت لجان الأمن الأهلية بعدم وجود خيار آخر سوى تولي زمام الأمور بأنفسهم.

تعرف هذه اللجان رسميا باسم “جهاز مكافحة الجريمة بزوارة”، ويلقبهم سكان المدينة بـ”المقنعين”. وقد قال أحد المتطوعين إن أعضاء هذه المجموعة يضعون حياتهم على المحك منذ خمس سنوات لحماية مجتمعهم. وتضم هذه الوحدة ذاتية التنظيم، التي تم تشكيلها بعد أقل من سنتين من الإطاحة بالزعيم معمر القذافي في ثورة 2011، مجموعة من المتطوعين القاطنين بهذه المدينة الذين يسعون لاستعادة القانون وارساء النظام في مدينتهم.

وفي تصريح له لموقع “ميدل إيست آي” أفاد أحد المتطوعين المؤسسين والرئيس الحالي لجاز مكافحة الجريمة بزوارة، الذي طلب عدم الإفصاح عن هويته: “لقد ضحينا بحياتنا المهنية أملا في منح الجيل القادم حياة أفضل، والمساهمة في تحسين أوضاع البلاد. لقد انهارت الدولة بعد الثورة، وارتفع معدل الجريمة، وإذا ظلت الأوضاع مثلما كانت عليه سنة 2012، لشهدت مدينتنا عددا كبيرا من الضحايا”. ووفقا لرئيس المجموعة، لم يتجاوز عدد المتطوعين 70 شخصا في البداية لكن الآن تضاعف عددهم.

كانت مدينة زوارة فيما مضى واحدة من النقاط الرئيسية لمغادرة المهاجرين المتجهين إلى أوروبا من ليبيا ومركزا لتجار البشر. وقد لقي مئات الأشخاص حتفهم غرقا بعد مغادرة شواطئها بقوارب صغيرة غير ملائمة لعبور البحر الأبيض المتوسط، وقد دفن سكان المدينة حوالي ألفي شخص ممن لم يحالفهم الحظ في بلوغ السواحل الأوروبية. ومنذ أن بدء جهاز مكافحة الجريمة بزوارة في تنفيذه عملياته التي تستهدف المهربين، انخفض عدد المهاجرين في هذه المدينة الساحلية، وهو أمر أسعد معظم سكانها.

وفي مقابلة أخرى مع موقع “ميدل إيست آي”، أقرت ملاك، وهي أرملة تعيش في مدينة زوارة برفقة أطفالها الثلاثة، بأنه “كان من المخجل معرفة أن لدينا مهربين في مدينتنا. لقد كان هؤلاء الأشخاص متواجدون منذ عهد القذافي، ولكنهم ظنوا أن أحدا لن يحاسبهم على أفعالهم بعد الثورة، خاصة وأن البلاد لا تمتلك حكومة مستقرة”. وأضافت ملاك “لكنهم كانوا مخطئين، وقد تم إخضاعهم للمساءلة، وتأكد هؤلاء الشبان الشجعان المتطوعون في جهاز مكافحة الجريمة من توقف المهربين عن القيام بمثل هذه الممارسات”.

في البداية، كانت هذه المجموعة من المتطوعين تخطط للعمل لمدة ستة أشهر فقط، ولكنها لا تزال مجتمعة بعد مرور خمس سنوات، ولازالت نقاط التفتيش التابعة لهم في المدينة قائمة وتقدم الدعم لسلطات مراقبة الحدود. وعندما تأسست المجموعة لأول مرة، كان جميع المتطوعين يرتدون أقنعة لإخفاء هوياتهم، وهذا سبب تسميتهم بـ “المقنعين” من قبل السكان المحليين. وفي حين كشق العديد من أعضاء المجموعة عن وجوههم للأهالي، لا يزال الكثيرون يفضلون إخفاء هوياتهم.

كان هؤلاء الرجال قلقين بشأن المجرمين الذين يسعون إلى الانتقام، ويخشون على سلامة أسرهم، ولكن بعد وقت قصير من بدء أنشطة مكافحة الجريمة، حصلوا على دعم واسع من السكان. وبعد ارتباطهم بحركة مكافحة الجريمة الحكومية، بات المتطوعون يضمون رجال الشرطة السابقين والأطباء والمدرسين وغيرهم من المدنيين، وكان بينهم جميعا قاسم مشترك: الرغبة في الحفاظ على أمن مدينتهم.

يشمل عمل هذه المجموعة مكافحة عمليات السرقة والمخدرات والاتجار بالأسلحة والتخريب وغيرها من الأنشطة المشبوهة. وبمرور الوقت، أصبحت مسألة محاربة الاتجار بالبشر أولوية بالنسبة لهم، بعد أن ارتفع عدد الجثث التي لفظها البحر. وبعد بضعة أشهر، بات معروفا في المدينة أنه إذا كنت متورطاً في أي من هذه الأنشطة غير المشروعة، فمن المحتمل أن يتم القبض عليك من قبل “المقنعين”.

وحيال هذا الشأن، أخبر هادي وهو طالب جامعي في المدينة، موقع ميدل إيست آي: “إذا تسبب أي شخص في مشكل، مثل ضبطه بأسلحة من دون تصريح، أو كان بحوزته مخدرات، فسيلقى القبض عليه. ونتيجة لذلك، بات الجميع على اليقين من أنه سيتم إلقاء القبض عليهم إذا ما أطلقوا عيارا ناريا، وتبعا لذلك سيتم مصادرة أسلحتهم”.

ولكن، عندما ركز المقنعون جهودهم على مهربي البشر، أصبح الأمر أكثر صعوبة، وذلك حسب ما أكده رئيس جهاز مكافحة الجريمة بزوارة، الذي قال “كانت مكافحة التهريب تمثل مشكلة حقيقية، حيث واجهنا العديد من التحديات لنسلمهم للمحاكمة، ولكننا في اليوم التالي نكتشف أنهم خرجوا من “السجن”. وفي ظل هذا الوضع، لم يعد في وسعنا الاستمرار في فعل نفسه الشيء مرارًا وتكرارًا”.

 

كبار المهربين

نجح مهربو البشر الأثرياء الذين يتمتعون بالنفوذ، في الصمود إلى حد الآن. وفي هذا الصدد، قال رئيس جهاز مكافحة الجريمة بزوارة “عندما بدأنا نتوصل إلى معطيات من شأنها أن تؤثر على كبار المهربين، أصبحت حينها الأمور خطرة للغاية”. وفي هذه المرحلة، يبدو أن المجرمين تمكنوا من التأثير على المقنعين.

وأورد متطوع آخر في جهاز مكافحة الجريمة بزوارة لموقع “ميدل إيست آي”، أن “هناك متطوعين ضحوا بأنفسهم، ومنهم من فقدوا أبصارهم، أو بترت أحد أطرافهم خلال الهجمات التي كانت تشن ضدهم”، مضيفًا أن الدولة لم تفعل شيئًا لمساعدتهم.

وبعد أن ثبت أن مراكز الاحتجاز التابعة للشرطة المحلية لم يعد موثوق بها، بدأ المقنعون في استخدام مقراتهم الخاصة كسجون مؤقتة. وحاليا، تستخدم هذه المجموعة مكاتب مهجورة ومساحات تخزين كانت في السابق تابعة لشركة مقاولات صينية فرت من ليبيا سنة 2011،  كأماكن لاحتجاز المعتقلين والقيام بعمليات رصد قوارب الهجرة.

لا يمكن لهذه المنشأة احتجاز الأشخاص لفترات طويلة، لذلك يقول المجندون إنهم يبقون المتهمين بارتكاب الجرائم في السجن لعدة أيام أو أسابيع على أقصى تقدير. وبشأن هذه المسألة أوضح المتطوع: “لقد وصلنا في زوارة إلى درجة لم نعد فيها نسجل حالات الاتجار بالبشر في المدينة. وقد حققنا ذلك بفضل جهودنا الشخصية، ولم نتلق أي مساعدة من الدولة”.

مع تزايد الاضطرابات في البلاد، أصبح تطبيق القانون أكثر صعوبة، وهذا يجعل معظم سكان زوارة ممتنين لوحدة مكافحة الجريمة ذاتية التنظيم. ولكن هذه المجموعة لم تكن دائما محبوبة، حيث واجهت عدة انتقادات بسبب التكتيكات التي تستخدمها لتأديب مرتكبي الجرائم. ويزعم بعض أفراد عائلات المحتجزين أن أقاربهم تعرضوا للضرب من قبل المتطوعين في جهاز مكافحة الجريمة بزوارة، وهددوا بمزيد تعنيفهم إذا ما تم القبض عليهم مرة أخرى.

وفي هذا السياق، أوردت ملاك: “لقد لقّن جهاز مكافحة الجريمة بزوارة الكثير من هؤلاء المجرمين درسا لن ينسوه. فنحن نعرف أن [مهربي البشر] يجب أن يكونوا في سجن مناسب بسبب ما فعلوه للمهاجرين الأفارقة الذين لا حول لهم ولا قوة، لكن من الأفضل أن يخيفهم الرجال المقنعون أفضل من أن يُسمح لهم بالخروج من السجن”.

كما قال الطالب الجامعي هادي: “إن هؤلاء المهربين لا يهتمون بحياة المهاجرين. بصراحة، قد لا تكون تلك أفضل طريقة للتعامل معهم، لكنهم يستحقون أكثر من الضرب بدلا من أن يكونوا أحرارا ويرسلوا النساء والأطفال إلى الموت المحتم”.

وعلى الرغم من نجاح جهاز مكافحة الجريمة بزوارة  في الحد من معدل الجريمة، ونيل دعم السكان، إلا أن المتطوعين في هذه المجموعة يعملون لفترات طويلة دون أجر. ومن جهته، أكد رئيس جهاز مكافحة الجريمة: “أن هذا غير دائم. لقد تخلى هؤلاء الأشخاص عن وظائفهم للقيام بهذا العمل. وحتى في الأوقات التي كنا نحصل فيها على التمويل، كان كل شيء يأتي من المجلس المحلي، وليس من طرابلس”. وذكر أحد المتطوعين “أنا في الواقع طبيب، أريد أن أعود للعمل وأكمل دراستي، يعني أتخصص… لكننا وجدنا أنفسنا عالقين لأنه لا أحد سوانا مستعد للقيام بهذه المهمة”.

شاهد أيضاً

موقع بريطاني: الإمارات تدفع بـقوات “حميدتي” لدعم “حفتر” في ليبيا عبر عميل إسرائيلي سابق

كشف موقع “ميدل إيست آي” الإخباري البريطاني أن نحو ألف من أفراد قوات الدعم السريع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.